المساعي الدولية تجاه ليبيا.. الأجندة والتوقعات

تتسارع الخطى الأممية والدولية والإقليمية تجاه الوضع في ليبيا بهدف الوصول السريع إلى استقرار في بلد يمثل قيمة استراتيجية كبيرة من حيث الواقع السياسي والموقع الجغرافي والثروات الكبيرة التي حباها الله لليبيا.

هذا التسارع المحموم الدولي والإقليمي لا يخلو من البحث عن مكاسب تسعى لها الأطراف الخارجية أقلها على المستوى المحايد إحداث هدوء في المنطقة لا يفسح المجال لتجدد أي نزاعات تعيد إلى الواقع الجيواستراتيجي، توترات تشبه حالة ما يعرف بتنظيم الدولة التي حُسِمت في مدينة سرت قبل ست سنوات.

ولعل الجهود التي تقوم بها الأمم المتحدة تأتي في مقدمة المساعي الدولية، غير أن دعوات المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا “ستيفاني وليامز” خلال رئاستها للجلسة العامة لمجموعة العمل الأمنية من أجل ليبيا بالتعاون مع فرنسا التي شهدتها تونس مؤخراً؛ بالإضافة إلى تشديدها على أهمية الحفاظ على الاستقرار والهدوء على الأرض، وتهنئتها لأعضاء اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 على ما تم إنجازه حتى الآن.. كل ذلك يتطلب اتخاذ مواقف دولية واضحة وداعمة للملف الليبي، ووقف مكر الدول التي تعطي من طرف اللسان للحلول السياسية في ليبيا حلاوة، وتروغ عملياً على الأرض بالانحياز لتغليب طرف على آخر، كما يروغ الثعلب.. فكل ذلك ينتج إفساداً للحياة السياسية والحلول الناجزة التي تسعى لها البعثة الأممية نحو التحول المدني الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة في البلاد.

دور أطراف مجموعة العمل الأمنية للتعامل مع الملف الأمني يظل مهماً للغاية لتهدئة الأجواء ومنع اللجوء إلى السلاح كخيار وبديل عن الاتفاقات السياسية، بالإضافة إلى أهمية دعم قيام واقع دستوري جديد يوحد كل الليبيين خاصة بعد حضور جميع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة ورؤساء المجموعة المشاركين عن المملكة المتحدة وتركيا وإيطاليا والاتحاد الإفريقي لاجتماع المجموعة مع ستيفاني..

مساعي البعثة الأممية تحتاج إلى اكتناز المصداقية والالتزامات الصريحة من الأطراف الدولية والإقليمية بعدم قطع الطريق نحو تحقيق الاستقرار في ليبيا، ومن أجل إنهاء الفترات الانتقالية ودعم إجراء الانتخابات ووقف أي تدخلات غير مرغوب فيها، من شأنها أن تفسد ما يريده الليبيون.

وبالاستئناس بما تم التعهد به منذ البيان الختامي للجولة الأولى لمؤتمر برلين قبل عامين والتزام دول ومنظمات دولية وإقليمية بدعم الاستقرار في ليبيا وخاصة ما نصت عليه المادة الرابعة “نلتزم بالامتناع عن التدخل في النزاع المسلح أو في الشؤون الداخلية لليبيا ونحث جميع الجهات الدولية الفاعلة على اتخاذ الموقف ذاته”.. وكذلك المادة السابعة عشرة “نناشد مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات مناسبة على أولئك الذين يتبين أنهم ينتهكون اتفاق وقف إطلاق النار وإنفاذها من قبل الدول الأعضاء في المجلس”.. بالإضافة إلى المادة الرابعة والعشرين ونصها “ندعو جميع الأطراف الفاعلة إلى تطبيق وإنفاذ عقوبات مجلس الأمن، ضد أولئك الذين يتبين أنهم ينتهكون حظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن أو وقف إطلاق النار، اعتباراً من هذا اليوم (19 يناير2020) فصاعداً”.. يُعد الالتزام والتنفيذ لهذه المواد وغيرها، بمثابة الخطوة العملاقة للوصول إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، إذا ما خلصت النيات الدولية والإقليمية لتكون في موقع الوساطة المثمرة.. بدل الانخراطات المدمرة.

كما يعتبر تنفيذ هذه التعهدات هو أقصر الطرق لإخراج المرتزقة الأجانب من ليبيا والاتجاه الصحيح لمراقبة وقف إطلاق النار ونزع السلاح والتسريح، والدعم اللازم والمطلوب بالنسبة لعمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5.

في مسار أممي آخر فإن محادثات الأجسام السياسية الليبية التي تقودها البعثة الأممية في القاهرة للجنة المشتركة لمجلسي النواب والدولة لا تخلو خططها وأجندتها من تجاذب الأطراف السياسية خلال مساعيها لتعديل الدستور ابتغاء الوصول إلى قاعدة دستورية متفق عليها تثمر عن اختراق حالة الانسداد السياسي الراهن بالبلاد وتؤدي إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا.

العديد من المواقف المحلية والدولية الداعية إلى إجراء الانتخابات والخروج من حالة السكون السياسي الحالي تدعم هذا المسار، غير أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور ترفض بدورها المساس بمخرجات مسودة الدستور قبل الاستفتاء عليه من قبل الشعب، الأمر الذي يمكن وصفه بأن مخرجات هيئة مشروع الدستور أصبحت تحت الولاية الدستورية لمجلسي النواب الأعلى للدولة.

هيئة الدستور نفسها كانت قد خاطبت البعثة الأممية قبل عامين بما يلي: “لا يجوز للبعثة بأي حال عرض خيارات أخرى تناقض مسار الدستور، قد تؤدي إلى القفز على مشروع الدستور المنجز من قبل هيئة منتخبة من قبل الشعب، أو تشجع عليه، وهو ما يتبين من خلال طرحها لتبني دستور آخر، أو إعطاء خيار تعديل مشروع الدستور قبل عرضه على الاستفتاء، في إجراء يخرج عن اختصاص البعثة أو غيرها من الجهات الأخرى، وبشكل يتنافى مع مقاصد منظمة الأمم المتحدة ومساعيها لدعم التحول الديمقراطي في ليبيا”.. الأمر الذي من المتوقع أن ينتج مواجهة شعبية للزود عن الدستور من ولاية مجلسي النواب والأعلى للدولة عليه، وتقديم البعثة للجسمين هذا المنجز كوسيلة للاتفاق بينهما.

التوقعات حول الانتخابات الرئاسية وشروطها في مستقبل العملية السياسية باللجنة المشتركة لمجلسي النواب والأعلى للدولة من المحتمل أن تشهد تصعيداً آخراً خاصة في ظل وجود اتجاه لحرمان أصحاب الجنسية المزدوجة من الترشح للرئاسة، ما يضع شروط الترشح أمام امتحان عسير من شأنه نسف المسار برمته وسد طريق التوافق الذي يحاول المجلسان الوصول إلى نهاياته التوافقية المطلوبة.

أما التوافق على 137 مادة من الدستور في الجولة الثانية لمباحثات اللجنة المشتركة لمجلسي النواب والدولة بالقاهرة بحسب تأكيدات “وليامز” لا يعني أن ما تبقى من مواد غير متفق عليها بالسهولة الخالصة، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية تمترس كل طرف على مواقفه، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى صعوبة تنفيذ أي مخرجات من مباحثات القاهرة على أرض الواقع أيضاً في ظل وجود تشكيلات مسلحة لكل منها غاياته ومواقفه المختلفة.

أمام كل هذا الواقع السياسي المتشابك، فإن قدرة المستشارة الأممية ستيفاني وليامز على قيادة الأطراف الليبية للوصول إلى اتفاقات، يبقى من الأمور الشاقة التي تنظرها، خاصة وأنها تسابق الزمن لتحقيق نجاحات تُحسب لها مع اقتراب نهاية مهمتها في ليبيا، إلى جانب محاولتها كسب رهان اعتماد الأمم المتحدة عليها كمستشارة لإدارة هذا الملف بدلاً عن مبعوث أممي طال زمان تسميته إلى ليبيا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي القناة وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Author
محرر صحفي سوداني ومعد برامج تلفزيونية وإذاعية وكاتب في الإعلام الليبي منذ العام 2012
Total
16
Shares
مقالات ذات صلة