"نزهة" تقسيم ليبيا.. نزيف دماء وعواقب وخيمة

“نزهة” تقسيم ليبيا.. نزيف دماء وعواقب وخيمة

يتناول البعض مسألة التقسيم بسطحية مضحكة معبرين عنها بأشكال مختلفة. لعلنا لا نهتم إذا صدر هذا التفكير عن عامة الناس الذين يخوضون في أمور لو سئل عنها عمر لجمع لها أهل بدر.

لكن الأمر تعدّى العامة إلى “النخب”، وحجتهم في ذلك تصرفات وكلام شاهدوه وسمعوه ولمسوه، تصرفات وكلام هو في حقيقته غاية في السوء يتفوه به بعض المتخلفين الذين لا تختص بهم منطقة دون غيرها بل هم كائنات تنتشر طولا وعرضا تلطخ البلاد وسمعتها وتاريخها وعلاقاتها العميقة. قد يبدو هذا مسوغا للكره وردات الفعل العنيفة لكنه ليس سببا يؤدي إلى المساس بوحدة بلادنا فهو أمر ليس مطروحا للعب الصغار ولهو الأطفال ولا لأحقاد الكبار.

سأتجاوز الكلام العاطفي الذي لم يعد يسمن ولا يغني من جوع لدى كثيرين ولكنني أناقش الموضوع من خلال طرح بعض الأسئلة:
من صاحب قرار التقسيم؟ قطعا لسنا نحن الليبيين، وهذه نعمة نحمد الله عليها.
هل القوى العظمى تسعى إلى تقسيم ليبيا؟ قطعا لا، فحرصها على وحدتنا أكثر من حرصنا نحن الليبيين وتلك نعمة أخرى أن اختلاف الكبار كان من صالحنا.

ولعلنا نذكر هنا بمقولة “التاريخ يعيد نفسه” فعقب الحرب العالمية الثانية كان الاتحاد السوفييتي سببا في توحيد ليبيا عندما رأى نفسه وقد “خرج من المولد بلا حمص” عندما بسطت بريطانيا نفوذها على شرق ليبيا وإيطاليا على غربها وفرنسا على جنوبها وهو القوة العظمى حينها وأحد القطبين اللذين آل إليهما أمر البشرية فرفض هذه القسمة فتوحدت البلاد. وها هي روسيا الآن تفعل الشيء ذاته وإن بطريقة أخرى.

لا يظنن ظان أن التقسيم عملية رسم خطوط على ورقة؟ أمَا سأل أولئك أنفسهم كيف يكون حال الناس؟ وبأي جنسية يتجنسون؟ وهل “عباقرة التقسيم” لديهم الأهلية العلمية والفكرية من حيث الاستعداد القانوني والمجتمعي والأخلاقي؟ أم أنهم يتعاملون معنا كالخراف بأسلوب ضربة حظ، فمن كان في الغرب لحظة التقسيم فهو لتلك الأرض ومن كان في الشرق أو الجنوب فهو لهما؟ أم أننا سنعيد توزيع المواطنين الجدد وفق أصولهم؟

إذا قررنا إعادة توزيع السكان، فعلى أي معيار؟ هل من الضروري أن يكون الجد مولولدا في “الإقليم” الذي يقيم فيه أحفاده حتى يحق لهم الحصول على جنسية الإقليم؟ وأي جد: الثاني أم الثالث أم أعلى؟

العائدون من المهجر، من مختلف المناطق كيف ينسبون؟

ما الذي يجري مع العائلات المختلطة؟ فماذا يحدث مع البرعصي المتزوج من مصراتية والورفلي المتزوج من درناوية، والعقورية زوجها مصراتي والطرابلسي متزوج سبهاوية والطبرقي زوجته من زلطن، هل نمنحهم جنسيات مزدوجة؟
وماذا عن جاري الزواري في الصابري بنغازي والجبالي الذي لا يعرف إلا حي الليثي بنغازي موطنا له؟ وماذا عن أبناء عمي من آل سويري العواقير الذين ولدوا وترعرعوا وكبروا في طرابلس.
لن أحدثك عن طرابلس وبنغازي وما تحويانه من فسيفساء ليبيا.

ثم ماذا عن الديون الخارجية والداخلية على الدولة الليبية الحالية؟ كيف ستوزع؟ بنسبة جغرافية أم بنسبة سكانية أم بمعادلة هجينة؟

وحدثني عن النفط والغاز والماء والحدود والجيش وأملاك الدولة لمن تؤول كل هذه؟ هل يُظن أنهم لو ذهبوا في خيار التقسيم أن هذه الأملاك ستُقتسم دون أنهار من الدماء لعشرات سنين قادمة؟!

تجربة

في عام 2005، عندما اتضح أن أمريكا تورطت في العراق، وتحدث البعض عن أن أفضل حل للعراق هو تقسيمه لأنه بلد تقتسمه إثنيات وطوائف لا تريد أن تعيش سويا، وفاز الديمقراطيون بانتخابات مجلس الشيوخ، ونادى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ حينها السيناتور جوزيف بايدن، الذي أصبح بعد ذلك في عام 2008، نائب الرئيس أوباما وهو الآن الرئيس الأمريكي، نادى بعقد جلسات لهذه اللجنة، وهي من أهم لجان الكونجرس الأمريكي، لمناقشة تقسيم العراق، ودعا إليها أهم شخصيات تولت مجلس الأمن القومي الأمريكي: كيسنجر، زبغنيو بريجيسنزكي، وسكوت سكوكروفت، وشخصية رابعة هي أستاذ الإستراتيجية العسكرية في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، أهم مراكز البحوث والتفكير في واشنطن ربما، ريتشارد بيرك.

كيسنجر، لم يؤيد الفكرة ولكن لم يعارضها صراحة، بل ألقى تساؤلات عنها، الثلاثة الآخرون عارضوها وفندوها بقوة، وقالوا إنها لن تحل المشكلة ولن تجلب استقرار البلد بل ستزيد الأمور تعقيدا واضطرابا.
ريتشارد بيرك وصف دعاة تقسيم العراق بأنهم هواة ولا يفقهون شيئا في الحياة السياسية الواقعية.

اتفق الجميع على أن “التقسيم سيتسبب في تمزيق أوصال مجتمعات وسيؤدي إلى اقتلاع أسر من جذورها عاشت في مناطق لمئات السنين تمتهن الفلاحة، نأتي اليوم لنقول لها: لأنك أيتها الأسرة سنية المذهب فلذا يجب أن ترحلي من الناصرية إلى صحراء الرمادي”.!!!

الإعلام الأمريكي علق حينها على النتائج التي وصلت إليها اللجنة بأنها توبيخ لبايدن، إذ وصفوه بالهاوي الذي لا يفقه السياسة، وصمتت بعد ذلك أصوات الدعوة إلى تقسيم العراق.

الخلاصة

لن يتحدث أحد عن الحب والعواطف “فليس بالحب وحده تبنى البيوت” بل نحتاج إلى تفكير عميق في المآلات التي ستكون أسوأ بكثير مما نحن عليه الآن، كما علينا التفكير في إصلاح المركب بدل الإمعان في خرقها، فهناك أبرياء لم يخوضوا في اللغط وهم الأكثر، كما أن هناك شرذمة يجب الوقوف ضدها بقوة لا أن نتماهى معها دون أن نشعر ونحقق مطالبها دون أن نقصد ولا نسمح لها أن تقودنا كالخرفان للوصول إلى غايتها.

كما أننا ينبغي علينا أن ننفق الوقت والجهد في سن القوانين التي تحفظ حقوق الناس من أن يتغول عليها أحد وأن نعتمد نظاما إداريا يفتت المركزية ولا يسمح لها بالتفريخ في حواضر البلاد الأخرى، فتفتيت المركزية أكثر من يسفيد منه هي العاصمة نفسها التي تعاني الاكتظاظ ونقص الخدمات كما أن القوانين الرصينة التي تعطي مساحات للبلديات لا للأقاليم من شأنها قطع الطريق على محاولات البعض نقل التمركز الإداري إلى المدن الكبرى الأخرى كبنغازي وسبها والزاوية ومصراتة ودرنة وطبرق وغيرها.

وأشد ما أحذر منه هو إعطاء صلاحيات “سيادية” على أساس إقليمي في بلد تعاني ضعفا بنيويا وفوضى سياسية فهذا من شأنه توسيع هذه الصلاحيات الإقليمية على حساب الدولة الموحدة.

ختاما من يريد الحديث عن التقسيم عليه أن يستحضر أنه لن يكون حدثا ورديا “تسليم واستلام” بل هو حديث عن تهجير واقتلاع أسر من جذورها وبيئتها الطبيعية، وعن دماء وصراعات، وخراب ودمار فالتقسيم ليس نزهة أو عملية تجري في صالة رسم.

فايز سويري
صحفي