ما الذي ينبغي أن يقوم به المجلس الرئاسي الجديد؟

ما الذي ينبغي أن يقوم به المجلس الرئاسي الجديد؟

منذ أن قامت ثورة فبراير ومع بداية المجلس الانتقالي، والسلطات التي حكمت البلاد تكرر نفس الأخطاء، فإذا افترضنا حسن النية أو لم نفترضه، فإننا النمط واحد، وهو عدم القدرة على الإنجاز وإنهاء المشكلات، فكل مشاكلنا معلقة، وكل مجلس أو حكومة تغرق في تفاصيل الحكم دون أن تخطو خطوة للأمام. هل سيمضي المجلس الرئاسي على نفس الخطى؟ هل ستعجز حكومة (الدبيبة) كغيرها من الحكومات؟ ما الذي ينبغي عليها أن تقوم به حتى تصنع شيئاً يمس حياة الناس ومسار الأزمة في ليبيا.

ما ينقص هذه الحكومات ليس السياسة وألاعيبها، ولا القدرة على المساومة والتلاعب بالكلمات، ولا حتى الرغبة في إنجاز شيء، ما ينقصها حقاً هو (الحكمة)، الحكمة ليست كلمة من عالم الأدب بل هي جوهر السياسة، لأن صناعة السياسات العامة والخطاب السياسي المتوازن، عملية معقدة لم تفلح فيها أي من الحكومات، تلك السياسة التي تحكم الخطاب الإعلامي تعنى بعدة قضايا:

  • توقيت الخطوات التي يقوم بها السياسي.
  • طبيعة الخطاب الذي يقدمه للمجتمع.
  • الرواية والرسالة التي تترك انطباعها لدى الناس.

كل ذلك هو جوهر العمل السياسي، لأنه سيعني في النهاية الانطباع الذي يتركه الخطاب السياسي على سقف توقعات الناس، وهذا السقف سيعني نفسياً الثقة في الحكومة، اقتصادياً الاستثمار وإيداع الأموال في المصارف وأسعار الصرف، سياسياً يعني استقرار المؤسسات في تحقيق أهداف السلطة الحاكمة. في حالة الصراع التي نعيشها تزداد الحاجة لهذا الخطاب المؤقت والمتوازن والدقيق الذي ينشر سردية الصلح والسلام بدل الحرب.

لكل ذلك فإن ما يحتاجه المجلس الرئاسي الجديد هو:
أولاً: تنظيم بيته الداخلي حتى لا يكرر أخطاء المجلس الرئاسي السابق، وذلك بأن يصر جميع أعضاء المجلس على اتباع الآلية التي رسمت في خارطة الطريق التي أقرت من ملتقى الحوار في تونس، وهنا يأتي أول أخطاء رئيس المجلس في بداية عمله دون أن يجتمع بباقي المجلس، ما لم يدرك السيد رئيس المجلس الرئاسي خطورة الانفراد بالعمل السياسي مهما كانت صفته، فإنه سيقع في مشكلات لا تختلف كثيراً عن فايز السراج ومجلسه الرئاسي.

ثانياً: أن يدخل السلطة وهو يدرك ما الذي ينتظره، فأي حاكم يأتي إلى السلطة في طرابلس فإن شبكات الفساد ستراوده عن نفسه فإن رأت منه ميلاً نحو استمرار مصالح تلك الشبكات أدخلته في عباءتها وإلا أفشلت كل أعماله. عندما سئل الرئيس جمال عبد الناصر من يحكم مصر؟ أجاب (السيد أفندي) ويعني بذلك موظفي الحكومة، القذافي نفسه في كتابه تحيا دولة الحقراء أشار لتلك الشبكة، لذا فإن الانطباع الذي يتركه الحاكم لدى الناس وتلك الشبكة سيحدد سلوكها تجاهه.

إذا لم يحسن المجلس الرئاسي فن الخطاب السياسي ويكون دقيقاً في سلوكه فإنه ببساطة سيكون نسخة كربونية لمن سبقوه، خطوة الذهاب لبنغازي جيده لكن الطريقة التي أخرج بها لقاء رئيس المجلس الرئاسي مع حفتر تبين ضعفاً شديداً في بناء الجملة السياسية- إذا لم ندخل في النوايا- لذا فإنه من السهل في بلد مثل ليبيا أن يدخل السياسي في أتون الانقسام السياسي إذا لم يحسن ويدقق في خطواته.

ثالثاً: أن يكون لديه شبكة من المستشارين، هذه الشبكة ليست ليبية خالصة بل عليه أن يدرك ما حوله من خلال مستشارين يدركون مصالح الدول المنخرطة في الشأن الليبي، قضية المستشارين كانت أحد الأزمات التي جعلت المجلس السابق أشبه ببعض الخلفاء العباسيين حين يجيبهم الوزراء والحجاب عن الواقع. ليبيا الآن في قلب المعادلة الدولية، والتغيرات التي يشهدها العالم لا تحتمل أي سلوك ارتجالي في التعامل مع المجتمع الدولي؛ كثير من مراكز الدراسات باتت تدرك ضعف الفاعل السياسي الليبي والانطباع لدى كثير من المراقبين أن هناك طفولية في التعامل السياسي تجعل كل دولة من الدول المتدخلة في ليبيا حذره في التعامل مع السياسيين الليبيين، لذا فإن إدراك مصالح الدول وكيفية التعامل معها ستكون قضية أساسية لهذه الحكومة. بالطبع هنا لا يمكن الاعتماد على وزارة الخارجية لأنها مثقلة بالبيروقراطية والفساد.

رابعاً: أن يصنع الصورة الذهنية التي تناسب أهدافه وليست الصورة التي يريدها خصومه عنه، وهذا جزء من النقطة السابقة فلا بد له من فهم خطورة شبكات التواصل والأخبار الكاذبة، والفبركات التقنية، والإشاعة وفنونها… كل ذلك سيكون أكثر تأثيراً ربما من القرارات المتأنية والاجتماعات والإجراءات… كلنا يعرف الآن خطورة هذه الوسائل على أداء أي سياسي، ويدرك كيف تأثر العالم بتغريدات الرئيس الأمريكي وهي التي أسقطته.

خامساً: أن يعرف ما هو العاجل وما هو المهم؟ وما الأهم والمهم؟ ما هي الاستراتيجيا وماهي الخطوات التكتيكية؟ ما الآني وما هو المستقبلي؟ التمييز بين كل هذه القضايا هو الذي يجعل أداء السلطة الجديدة ناجحاً، فأي سلطة لها 3 شروط أساسية للنجاح أن تكون فاعلة، سريعة الاستجابة، وقادرة؛ ما لم تتحقق هذه الشروط ستقل ثقة الناس في السلطة الجديدة، وإذا قلت الثقة بدأت السرديات السلبية تجاهها وسيجد رئيس المجلس الرئاسي نفسه بدل أن يحقق الأهداف التي جاء من أجلها، يمارس دور القيادة بكل تعقيداتها، وبذلك توقن السلطة الجديدة أن ليس لديها مؤسسات فاعلة تتكئ عليها، وإنما يجب أن تحسن خلق السرديات التي تصنع الثقة لدى الناس، وتغير المزاج العام نحو الرغبة في النجاح بدل الخوف من الفشل أو الخوف من شبح الحرب.

د. نزار كريكش