ماذا أبقينا للجيل القادم؟

ماذا أبقينا للجيل القادم؟

في لقاء عبر منصة للشباب الليبي تنظمها مؤسسة القيادة عبر الأطلسي تحدثت ناشطة في مجال الشباب ودعم المجتمعي من الجنوب، عن أنه إن كان الليبيون في الشرق والغرب في درجة الصفر فنحن تحت الصفر، وهذا ما يولد إحباطاً حسب قولها. عندما تقابل ليبّياً من الشرق يظن أن أهل الغرب في نَعِيم، وعندما تقابل أحداً من الغرب تصل شكواه إلى ما يتحدث عنه أهل الشرق وأكثر؟ …إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وما أسبابه؟ وهل يمكن لهذه الدورة المستمرة في التاريخ الليبي أن تنتهي، رونالد بروس من جامعة كامبريدج تحدث في كتابه عن التاريخ الليبي عن فلسفة الاستمرارية والتغيير، فتاريخ ليبيا هي أخطاء مستمرة، سواء من النخب الفاعلة أو من المجتمع الدولي.

يستغرب الإنسان حين يجد نفس الأخطاء تتكرر وكأنما يعيد التاريخ نفسه، وكأن هذا الخلل في المؤسسات الليبية أشبه بخلل جيني لم يعالج إلا بثورة مؤسسية حقيقية تدرك أين الخلل في ليبيا وتضع العلاج له؟ ربما نحتاج لتشبيه يبين الفكرة؟

ليبيا الآن أشبه بسيارة قديمة مهترئة ويظن أصحابها أن الإشكال في قائد السيارة، يستمر النزاع حول من يقود السيارة، من يركب بجانب السائق، أي طريق نسلك، لم لا تستعمل أقصى سرعة، هلّا قللت السرعة… هكذا تستمر المبادرات خارج إطار الإشكال الحقيقي لهذا البلد، فالسيارة أصلاً لم تؤسس وليس فيها محرك ينفع أو طاقة للاستمرار في الحركة؛ نحن نرى ذلك في كل شيء من حولنا، في الاقتصاد، في السياسة، في العلاقات الخارجية لليبيا… هنا يصبح الأمر أشبه بمن يغرق وهو يفكر على مهله يقول يجب أن أتماسك… يجب أن آخذ نفساً.. لكن كل ذلك بالطبع لن يجدي؟

ما العمل تجاه أزمة مركبة ومتعددة الأوجه بل هنالك مصطلح أكثر تعبيراً للأزمة الليبية، وهو ما فوق الأزمة Metacrisis وتعني أنه رغم تعدد الأزمات لكنها نابعة من إشكال واحد. هذا الإشكال هو ما يسميه علماء السياسية بالتصميم الهش؛ ليبيا منذ نشأتها وفي تصميمها هشاشة. ليسا أندرسون عميد الجامعة الأمريكية في القاهرة سابقاً كانت رسالة الدكتوراه لها حول ليبيا وتونس، وقارنت بين هشاشة المؤسسات في ليبيا وتاريخها وبين محاولات فرنسا لبناء محليات وتنظيم هرمي تغلغل في البنية القبلية التونسية، ولكن ليبيا في المقابل رغم وجود بعض الهرمية لكنها كانت تمتد في فضاء القبيلة ولا تؤثر فيها، كان الأمر أشبه ببناء مجموعة من الباطرونات أو الزعامات بتعبير عالم الاجتماع التونسي المولدي الأحمر.

كانت الدولة العثمانية تقيم علاقات مع بعض الشخصيات والزعامات دون أن تضع نظاماً إداراياً يعيد صياغة القبيلة، وهذا ما فعله الاستعمار الإيطالي بل بالغ فيه، وبدأ في تعيينات للاستشارة وللوظائف وترك القبائل لضعفها. عندما بدأت الحرب العالمية الثانية وشارك الليبيون مع بريطانيا طمعاً في الاستقلال، كان هناك تفاوت حقيقي بين الغرب والشرق، فالإدارة الإيطالية لم تستمر في الشرق لأن الحرب كانت مستعرة وهزمت إيطاليا، لكن كانت هناك العديد من الشخصيات الإيطالية المتنفذة استمرت في تواجدها في طرابلس، وتنفيذاً لرغبات الملك إدريس في الشرق لم يشأ أن يكون هناك تدخل كبير من الانجليز في الإدارة في الشرق الليبي فظل تواجد الإدارة العسكرية محاولاً بناء إدارة محلية لكن دون إعادة تصميم القبيلة أو وضع هياكل تضعف من التمدد الأفقي للقبيلة.
قبيل الاستقلال كان المجتمع الدولي يدرك تماماً أنه ليس في ليبيا ما يمكِّنها من الاستقلال، لكن لأن ليبيا لم تكن تابعة لفرنسا ولا لبريطانيا ومخافة الصراع بين هذه الدول- كما فصَّلت الدراسةـ قرروا أن يتم الاستقلال خلال سنة أي مع بدايات عام 1952 وهذا ما حدث. استقلت البلاد وليس فيها مؤسسات تعبر عن إدارة الدولة، وهذا ربما يختلف عن كل دول المنطقة، استقلت الدولة وهنالك إجراءات قامت بها الأمم المتحدة لتجنب أي خلاف في شمال إفريقيا، لذا قرر أدريان بلت أن يشكل لجنة تحضيرية لتنظيم الانتخابات وحدد لها زمناً محدداً (يوليو 1950)، ورغم الاعتراض المصري والتركي إلا أن أدريان بلت كان واضحاً، بأن فرصة الاستقلال ستضيع إن لم نسرع في تعيين لجنة تحضيرية تتولى وضع تصور عن الانتخابات والمجلس الوطني الذي سيبدأ في المرحلة الانتقالية، لقد أسفرت كل هذه الإجراءات عن تجاوز الإشكال التاريخي وهو غياب أعراف الدولة في ليبيا، لذا فإنه لما نالت ليبيا استقلالها بدأ النزاع حول الحكومة الاتحادية وصلاحياتها، وحرصاً على وحدة الدولة وضع نظام فيدرالي في دولة ليس فيها مؤسسات، وهو أمر لا يعقل لذا قال أحد الملاحظين الأذكياء من الاتحاد الأمريكي عن الوحدة الليبية (قد انترعت من شعب متردد تحت ضغط الضرورات العنيفة) ( الخدوري، ص 2013).

تكاد هذه الكلمة تختصر تاريخ ليبيا، ضرورات الاستقلال، ضرورات التحول النفطي والعلاقة بالشركات الدولية ونشأة رهط من تجار النفط في عهد الملك، ضرورات الاستبداد القذافي التي جذرت غياب تلك المؤسسات بنظريته الفوضوية، ضرورات الثورة التي لم تؤسس لشيء، والآن ضرورات الحرب التي يحمل وزرها خليفة حفتر ومن دعمه. إنها دائرة لم تنته عبر التاريخ، لم يكلف أحد نفسه ليرى تلك السيارة التي يتصارعون حولها.

من يستطيع التفكير خارج هذه الدائرة المفرغة من التاريخ؟ من يستطيع أن يأتي بالجديد؟ من يغرد خارج السرب؟ من يغير السرد؟ علوم الإدراك تبين لنا بوضوح أن الإنسان إذا امتد به العمر، تكون خلاياه قد تشابكت واستقرت على مسلمات ونماذج معرفية بعينها لذا يصعب عليه التغيير لذا فإن إشراك الشباب بل توليهم مناصب القيادة والاستماع لأفكارهم، ليس مجرد شعار يرفع كما سمعنا من المرشحين لرئاسة الحكومة مؤخراً، بل هم البصيرة التي نبصر بها من خداع العادات والمصالح التي تربطنا نحن كبار السن، هم الأفكار التي لا تخطر ببالنا المليء بالصراعات والنزاعات، هم المستقبل الذي نغيِّبه عندما يكون همنا هو المضي قدما في أي مسار دون حساب للخطوات القادمة، إن التصميم الحذر لكل ما نقوم به هو المسلمة التي ينبغي أن نعيد التفكير فيها؛ وربما هذا ما تفعله الشركات الكبرى حين تعطي لكل المفكرين من الشباب وأصحاب الأفكار التي يسمونها مجنونة بوضع المقترحات والأفكار التي تخرج عن المألوف، لنبقي للشباب مستقبلهم ونعطي الحاضر لهم فلربما استطاعوا أن يسكروا حلقة التاريخ في ليبيا.

د.نزار كريكش