هل يصلح الحوار السياسي ما أفسدته الحرب

هل يصلح الحوار السياسي ما أفسدته الحرب

مشهد المرشحين للمجلس الرئاسي الجدد وهم يقدمون برامجهم لدعم إنهاء ما يسمى بالمرحلة التمهيدية للانتخابات، ذكرني بمشهد المرشحين لرئاسة الوزراء بعد أول انتخابات نزيهة شهدتها ليبيا بعد أحداث السابع عشر من فبراير. تلك الثورة التي فسحت المجال لكثير من المبادرات والتصورات عن مستقبل ليبيا. لكن تلك البرامج التي قدمت للمؤتمر لم تصبح واقعاً بعد فترة المؤتمر الوطني، بل تعقدت الأمور ودخلت البلاد في حرب منذ العام 2014 جعلت سقف توقعات الناس منخفضة لدرجة أنهم قد يرضون بأي حل يخرجهم من النفق المظلم الذي دخلت فيه البلاد بعد حرب بنغازي ودرنة وحرب الجنوب والعدوان على طرابلس.

الحالة التي وصلت إليها الأوضاع في ليبيا والأزمة التي دخلت فيها البلاد قسمت النشطاء والتوجهات السياسية في ليبيا إلى فريقين، فريق يرى أنه من الواقعية السياسية أن نمضي في المسار السياسي رغم كل المحاذير التي يقرها هذا الطرف، فلاتزال نذر الحرب تطل برأسها من حجم المرتزقة والسلاح في وسط البلاد. الطرف الآخر يمكن أن نسميه بالطرف الحذر لدرجة أنه يرى أن الدخول في هذا الحوار قد يكون تمهيداً للسيطرة على طرابلس عبر بوابة مجلس رئاسي وحكومة جديدة.

إذا تأملنا الفريقين فإنهما- في واقع الأمر- لا يملكان الكثير من الأوراق لتقديمها على طاولة الفعل السياسي، فإن المسار الذي دخلته الأزمة الليبية لم ينشأ من إرادة سياسية، إنما نتيجة لتوازن القوى الذي فرضه التدخل التركي عقب التحالف مع حكومة الوفاق والذي أعطى دفعة عسكرية وسياسية لها جعلت تلك الأطراف التي كانت تتحالف مع حفتر خلافاً لما هو معلن من دعمهم لحكومة الوفاق الشرعية، تبحث عن حل لهذا التطور في المشهد الليبي.

توازن القوى هذا جعل البحث عن حل سياسي هو البديل عن حرب بين دولتين بحجم تركيا وروسيا. أحد السياسات التي اعتمدها دونالد ترامب – والتي ينادي بعض المراقبين الأمريكيين باستمرارها- هو إعطاء مساحة لدول إقليمية وازنة حتى يمكنها فرض واقع جديد على الأرض، بالطبع أمريكا لم ترد لروسيا أن تتواجد استراتيجياً في ليبيا إنما كان الهدف هو دعم حفتر- الذي تحصل على ضوء أصفر من الرئيس ترامب لإنهاء مهمته في طرابلس بسرعة لكنه فشل-وبما أن روسيا قد استغلت الأمر ليتحول إلى تواجد استراتيجي فإن المعادلة بأكملها قد اختلت.

يمكن مقارنة ذلك بما حدث في سوريا، فإن روسيا قد استغلت التردد الأمريكي فسيطرت على مساحات واسعة من سوريا مما جعلها قادرة على فرض نفوذها في الأزمة السورية، الصين الآن فعلت الأمر نفسه حين سيطرت على الاقتصاد في جنوب شرق آسيا بعد سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الحمقاء مع كوريا الجنوبية وهونغ كونغ؛ الأمر في ليبيا شبيه بذلك. هناك قوى إقليمية تريد أن ترسم معادلة جديدة على الأرض بعضها قريب من الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الدولي، وبعضها يحاول أن يثبت نفوذه في الساحة الدولية على حساب أجندة النظام الدولي.

هذه حالة من عدم التماثل أي أن هناك تواجد على الأرض باستراتيجيات مختلفة، كل يريد الآن أن يجد نظاماً ليبيا قادراً على التعامل مع هذه التناقضات، بمعنى آخر ما يجري من الناحية السياسية هو محاولة دولية لإيجاد نظام سياسي في ليبيا يطمئن كافة المتدخلين بأن هذه الحكومة (القادمة) يمكنها أن تكون بوابة لأهداف واضحة وهي: أولاً استقرار مؤسسي يطمئن كافة الشركات الدولية على تدفق الأموال من ليبيا وهذا يصب في صالح جميع الدول وفي ذلك مصلحة لليبيا أيضاً. ثانياً ضمان عدم انقلاب الوضع لحالة من الفوضى قد تؤدي إلى صراع دولي وهذا ما لا يريده أحد في منطقة شمال إفريقيا ولن يكون ذلك إلا بمسار انتخابي، ثالثاً أن تكون حكومة فاعلة للتعامل مع أزمات هامة كالهجرة والإرهاب.

هذه أهداف عامة لكافة الدول المتدخلة في ليبيا وهي متفق عليها، لكن المختلف عليه كذلك كثير، وأغلبه جيو استراتيجي فإن وجود روسيا وتركيا يعني بالضرورة تنافساً مع فرنسا، وكذلك وجود روسيا قد يتعارض مع استراتيجيات حلف الناتو التي وضعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي يقضي بعدم تواجد روسيا في شمال إفريقيا؛ هذا يؤكد تعقد الوضع وأن ليبيا وفقاً لكثير من الدراسات ليست دولة محورية بمعنى أنها دولة تابعة للمعسكر الشرقي أو الغربي، وفق أدبيات الحرب الباردة لذا فإنّ طبيعة الحكومة القادمة سيعني الكثير في المعادلة الدولية؛ وهذه أحد أخطاء حكومة الوفاق التي بدت في زخم الحرب وكأنها تميل للولايات المتحدة الأمريكية. لذا فإننا يجب أن ننظر إلى ما يحدث الآن بأنه محاولة لإيجاد نظام سياسي يوازن مصالح الدول وليس تحولاً سياسياً من أجل إتمام متطلبات الخروج من النزاع، وهذا تناقض قد يفضي في المدى البعيد إلى بعض الإشكالات التي ستواجه جميع الفاعلين السياسيين.

ما يجب أن يقوم به الجميع الآن هو فهم ما الذي يجري حولنا، لأنه بدون ذلك سنعيد ذلك المشهد فبدلاً من وقوف الوزراء يستجوبهم برلمان منتخب، سنجد أنفسنا أمام مرشحين تسألهم البعثة الأممية وبرلمانهم هو لجنة حوار لم يخترها شعبهم، بين المشهدين فارق كبير يؤكد الخلل الذي أصاب المرحلة الانتقالية، وما لم يكن لدى الحكومة القادمة القدرة على فهم هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ النزاع في ليبيا فإننا سنكرر مشاهد استمرت منذ الثورة؛ وهي أن تأتي حكومة لإنجاز مهام محددة فتغرق في تفاصيل المؤسسات المهترئة التي تركها نظام القذافي، وبين متطلبات الحاضر والحذر من المستقبل تبقى الرؤية الاستراتيجية هي العنصر الغائب لدى الفاعل السياسي الليبي، تلك الرؤية تملكها دول متدخلة في ليبيا لكنها متناقضة، فإما أن نوجد رؤية تصل بهذه الدول للحد الأدنى من الاتفاق الذي يسمح للمشهد بشيء من المرونة وتجاوز العنف السياسي، أو أن نجد أنفسنا أمام حكومة عاجزة أن توجد معادلة بين الشركاء المتشاكسين في المشهد الليبي.

كتبه| نزار كريكش