اتفاق بوزنيقة
اتفاق بوزنيقة

بوزنيقة.. والعثرات حول تنفيذ المادة 15 من اتفاق الصخيرات

تسعى المملكة المغربية إلى تكرار ما أنجزته عام 2015 من جمع بين الفرقاء الليبيين، والتوصل إلى اتفاق سياسي يطوى سنوات من الخلاف، أو على أقل تقدير إنهاء 5 سنوات من الانشقاق منذ إبرام اتفاق الصخيرات الذي كان بارقة أمل، وأفلحت الرباط بموجبه في توحيد الليبيين، وحظي الاتفاق وقتها بتأييد دولي على رأسه إقرار مجلس الأمن، ليكتسب شرعيته الدولية ويكون هو المرجعية الأساسية للحلول السياسية اللاحقة، ولكن الجميع يعلم ما لحق بتنفيذ اتفاق الصخيرات من معوقات، تمثل أولها في عدم التئام أعضاء مجلس النواب الذي انعقد في طبرق فضلاً عن تمرد خليفة حفتر الذي سبق ذلك لبدء مشروع عسكرة الدولة.

مسارات متعددة ومصالح مختلفة

تعدد المسارات قبل العدوان على طرابلس وبعده، جعل كل مسار إقليمي أو دولي يسعى للفوز بجمع الليبيين وخلق توافق بينهم، ولكن دون أن نغفل بالطبع المصالح المعلنة والمخفية لكل رعاة هذه المسارات، عدا الحلم (الليبي الليبي) في غدامس، الذي أجهضته مغامرات حفتر بالعدوان على طرابلس، و(قبل وبعد) غدامس كانت لقاءات (الصخيرات، تونس، باليرمو، روما، جنيف، أبوظبي، القاهرة، باريس، موسكو، أنقرة، الغردقة، بوزنيقة وبرلين).

والناظر بعين المعطيات لكل راعٍ لجمع الليبيين، يلمس نوايا حسنة تجاه حل حقيقي للأزمة الليبية من بعض الرعاة الإقليميين والدوليين، وبذات القدر يجد الذين انخرطوا في الأزمة من أصحاب النوايا الخبيثة الذين يسعون لبلوغ حلول وخيارات توازى مصالحهم، حتى وإن كانت على حساب الليبيين وثورتهم.

مساع مغربية لإعادة الصخيرات

أخطر المآرب في ظل تعدد المسارات، كان هو السعي لإعادة عقارب الزمان إلى الوراء بدعم خارجي لعسكرة الدولة وتكوين مشروع خليفة حفتر المنقلب على اتفاق الصخيرات والثورة الليبية نفسها، ومساعدة حفتر في التغول على شرق البلاد، ومن ثم التدخل في سلطات المنطقة لدرجة أخذه صلاحيات وزارات لحكومة عبدالله الثني الذي اشتكى بدوره، وتعيين عمداء عسكريين بدل المنتخبين وغير ذلك من التجاوزات، حتى جاء الوقت الذي تحرك فيه عقيلة صالح بعد صمته عن عدوان طرابلس، كي يجد موطئ قدم يعيده إلى الواجهة، أو تم تحريكه برغبات رعاة الثورة المضادة الذين رأوا مشروعهم مع حفتر يتهاوى ، لذا وجدت المغرب في نجاحها غير المكتمل بإنجاز اتفاق الصخيرات 2015، حافزاً جيواستراتيجياً يغريها لإعادة مساعيها في بوزنيقة 2020 لا سيما وأن الخارجية المغربية كانت قد تململت من عدم دعوتها إلى المشاركة في اجتماع برلين الأول في يناير الماضي، ما جعلها ترفض الدعوة إلى اجتماع برلين الثاني أكتوبر 2020. وتكتفي برعاية محادثات بوزنيقة.


عثرات تنفيذ المادة 15

إحراز تفاهمات مهمة حول اختيار شاغلي المناصب السيادية، ظل هو الإعلان المتكرر للممثلين في جلسات بوزنيقة عن المجلسين الأعلى للدولة ونواب طبرق خلال مباحثاتهم، إلى أن تم الإعلان عن إبرم تفاهمات حول معايير اختيار شاغلي المناصب السيادية، ولكن تنفيذ المادة 15 من اتفاق الصخيرات، مقرون بتحقيق بندين مهمين في ذات المادة، حيث نص البند الأول على أن التوافق حول شاغلي هذه المناصب يتم بمراعاة التشريعات الليبية النافذة، ووفقاً للآلية المنصوص عليها في الملحق 3 من الاتفاق، فيما نص البند الثاني على أن تعيين وإعفاء شاغلي المناصب القيادية للوظائف السيادية يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

حرث البحر والطعن الدستوري

ورغم المغالطات الجائزة حول التشريعات الليبية النافذة، وهل هي مواد الإعلان الدستوري الليبي؟ أم الاتفاق السياسي في الصخيرات، إلا أن الملحق 3 من الاتفاق، والذي تم ربطه بتنفيذ المادة 15، يتعلق هذا الملحق بالقواعد الأساسية لعمل المجلس الأعلى للدولة وتضمنت المادة الأولى من الملحق أن يتكون مجلس الدولة من 145 عضواً منتخباً بانتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012، وبالمقابل فإن البند الثاني من المادة 15 نفسها يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على شاغلي المناصب، في حين أن أغلبية النواب نجدهم مجتمعين في طرابلس ولكنهم غير مشاركين في مباحثات بوزنيقة، بينما المجتمعون في طبرق لا يُعرف منهم سوى عقيلة صالح، بالتالي فإن الطعن في عدم تطبيق شروط المادة 15 يكون طعناً مقبولاً لعدم تطبيق شروط متطلبات البند الثاني من المادة 15، وبالتالي يظل أي اتفاق حول المادة في بوزنيقة بمثابة الحرث في البحر.

تململ الجهاز القضائي

ومع مباحثات بوزنيقة فإن المجلس الأعلى للقضاء أكد رفضه المطلق لنتائج هذه المباحثات، حتى قبل الإعلان عنها بدواعي أن اختيار منصب المحكمة العليا يكون بالتشاور مع المحكمة ممثلة في رئيسها وجمعيتها العمومية، وأن اختيار شاغل منصب النائب العام، لا يتم إلا بالتشاور مع المجلس الأعلى للقضاء، وذلك لاعتبار أن المناصب القضائية تخضع لمعايير طبيعة العمل القضائي والقوانين الخاصة التي تنظمها، وهذا الرفض يدلل على إمكانية رفض السلطة القضائية لأي معايير تتخذها السلطات التشريعية بشأن المناصب الواردة.

أجسام موازية وغايات ممكنة

وفي ظل وجود أجسام موازية في المناصب السيادية بغرب البلاد وشرقها، حيث الأصل لمصرف ليبيا المركزي في طرابلس ثم أنشئ جسم موازٍ له في البيضاء، وكذا الحال بالنسبة لديوان المحاسبة وغيرهما، عدا رئيس وأعضاء المفوضية العليا للانتخابات، الصرح الذي ظل جسماً واحداً، فإن توحيد المؤسسات المنقسمة يتطلب توحيداً للسلطة السياسية في البلاد المنقسمة هي الأخرى، وهذا الأمر بالإمكان تحقيقه بتطبيق شرطين يتمثلان في رغبة الليبيين الحقيقية في الحلول السياسية حتى من خلال حوار بوزنيقة، رغم عثراته القابلة للعلاج بذات الرغبة الليبية، ومن ثم إقصاء الأطراف الخارجية التي تؤجج الصراع من أنصار الثورة المضادة. وإعادة السلطة للشعب الليبي ليقرر عبر الانتخابات.

كتبه | يوسف النعمة