بعد فتح النفط.. الحرب تشتعل بين الفرقاء

بعد فتح النفط.. الحرب تشتعل بين الفرقاء

لم يكن ما مرت به ليبيا وتمر به من أزمات وحروب داخلية منذ الإطاحة بنظام القذافي في 2011، بالأمر المفاجئ إذ طالما ردد المحللون وخبراء الأزمات الدولية، أن الثروة النفطية والاحتياطيات الهائلة التي تتمع بها البلاد، ستكون المحرك الحقيقي للخلافات بين أبناء الثورة أنفسهم أو بينهم وبين خصومهم من النظام القديم أوالذين ركبوا قطارها بعد أن أقلع.

ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى استعرت الخلافات وتحولت إلى حروب مزمنة، وأيقن عموم الليبيين أن ثروتهم تحولت إلى لعنة جلبت إليهم الأطماع من الداخل والخارج، وتمنوا في لحظات عجزهم وانسداد الآفاق أمامهم لو أنها لم تكن، فكتلة الأزمات التي ما فتئت تتضخم، هوت بمعيشتهم إلى الدرك الأسفل، بينما تدر حقول النفط المليارات كل عام، حتى البترول الذي تجاوز في بعض الفترات حاجز المليون برميل يوميا، لم يكن يتوفر في المحطات ولم يسلم المواطن من الطوابير الطويلة أمامها، وفي بلد النفط تشكو محطات توليد الكهرباء وضخ المياه من شح البنزين والديزل حتى تعطلت وعاش الناس الظلام والعطش، وفي بلد الذهب الأسود والعملة الأجنبية التي يدرها، شحت البوك من السيولة وعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم، وتأخرت أو انقطعت رواتب الموظفين منهم.

تعلم الليبيون من دروس المؤتمرات السابقة، أن العالم المتحضر الديمقراطي الذي أشرف عليها من فرنسيين وطليان وألمان وأمريكان، والذي لم تعد في قواميسه السياسية مصطلحات القبيلة والجهوية، مازال أكثر تكريسا لها بين نخبة حكامهم، ولم تخرج تلك المؤتمرات من دائرة المحاصصات والوجوه نفسها رغم عجزها وفشلها في جميع المراحل، ويستعد المجتمع الدولي مرة أخرى لعقد مؤتمر جديد، يجري الإعداد له بمشاورات في المغرب وأخرى في مصر وسويسرا، وبالوجوه نفسها دون استخلاص الدروس من فشل المؤتمرات السابقة.

وأبانت لقاءات بوزنيقة المغربية منذ أوائل سبتمبر المنقضي والجارية حتى الآن، عن حقيقة الصراع بين الفرقاء المحليين، إذ كشفت التسريبات أن الاتفاقيات الحاصلة حول المناصب السيادية، كان جوهرها تقاسم السلطة على ثروة البلاد، انطلاقا من المصرف المركزي، وليس انتهاء ببنود ما سمي اتفاقا بين عضو المجلس الرئاسي أحمد معيتيق وممثلين عن حفتر حول شروط فتح النفط، والذي أثار موجة من الخلافات والاتهامات المتبادلة بين معسكر المنطقة الغربية نفسه.

النفط الذي وُظف شرطا للسلام كما كان سببا في كل الحروب، مازال يحرك “ماكينة” السياسة، فقد خمد صوتها عندما توقف عن التدفق، وعندما عاد إنتاجه وتصديره عادت “الماكينة” إلى الاشتغال من جديد وبدأ صوتها يتعالى من عواصم عالمية بعيدة، حتى حفتر الذي سقطت عنه كل أوراق التوت وفقد أمله في حكم البلاد بقوة السلاح، لم يجد له من سلاح غير النفط الذي ظل يحارب من أجل السيطرة عليه، ومازال يفاوض به من وراء ستار عقيلة صالح المتستر بالمدنية التي عرتها مواقفه من العدوان على طرابلس.

وفي لقاء أجراه مؤخرا مع قناة الأحرار قال عضو المجلس الرئاسي عماري زايد، إن عددا من المسؤولين الدوليين صرحوا له أنهم لا يثقون في عقيلة صالح، ولكنهم رفعوا عنه العقوبات الأوروبية، واتخذوه بديلا مؤقتا عن حفتر، وأكد في اللقاء نفسه أن عقيلة لن يلبث أن يخرج ورقة حفتر بمجرد الحصول على توافقات تمكنه من امتيازات التحكم في ثروة ليبيا، بما يعني أن المفاوضات التي يتصدرها ليست إلا لعبة تبادل للأدوار مع شريكه حفتر.

لقد تيقن المواطن الليبي أن صراع الأكباش في حلبة المصالح المتبادلة بين حكام ما بعد الثورة، سواء من أبنائها أومن بني عمومتها أو من ربائبها، القريبون منها والبعيدون عنها من أتباعها ومن أعدائها، كلهم على حد السواء فشلوا رغم مشاريعهم السياسية المتنافرة، في تأسيس دولة قوية وعادلة، إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا، بمجرد نزول التُبع إلى ميادين التظاهر والاحتجاج، وضاقت بهم صدورهم، فاتهمهم حكام الشرق بالخيانة ومنحهم حكام الغرب حق الكلام ومنعوهم حق العيش الكريم، والمحصلة واحدة، يقتسم المواطن شرقا وغربا وجنوبا الظلم نفسه، يفترسهم فيروس كورونا بلا حماية، وتغرقهم شركة الكهرباء في الظلام، ولمن كذب ثورة “الجائعين”، فلينظر طابور الموقوفين بتهم الفساد من النائب العام.

ومهما اختلفت أسباب الصراع بين معسكري الغرب والشرق، أو بين من يريد ليبيا دولة عسكرية ومن يريدها مدنية ديمقراطية، فقد تبين أن غاية الفريقين واحدة وهي اقتسام الكعكة حاشا القلة القليلة من الشرفاء الصادقين الذين استشهد أغلبهم وظل الباقون خلف الأضواء، أما المتصدرون و”المرموقون” فلا يختلفون إلا في الأسلوب، الأول يريد أن يأتي راجلا من خلال صندوق انتخابات مشبوه، والآخر يريد أن يأتي راكبا على ظهر دبابة.

كتبة | الصحفي منصف صولة