ليبيا والمستقبل معادلة لا تقبل القسمة على حفتر

ليبيا والمستقبل معادلة لا تقبل القسمة على حفتر

منذ إعلان السراج وعقيلة صالح في بيانين منفصلين، وقف إطلاق نار شامل في كافة التراب الليبي في 21 أغسطس المنقضي، دون سابق تنسيق معلن، أو اجتماعات مباشرة بين الرجلين، اختلفت التوقعات بشأن صموده، فبينما رحبت أغلب العواصم المتداخلة بما فيها الداعمة للغريم المعتدي على العاصمة، كمصر والإمارات وفرنسا وروسيا، لم تكن أغلب المواقف المحلية متفائلة باستثناء صاحبي المبادرة.

وما زاد الشكوك بشأن جدية إعلان وقف إطلاق النار توقيته، إذ بدا مفاجئا وتحت ضغوط أمريكية على الأرجح، خاصة بعد الجولة التي قادها سفير الولايات المتحدة بليبيا ريتشارد نورلاند إلى أغلب الدول الداعمة لكلا طرفي الصراع، ولقائه قادة المنطقة الشرقية، فقد صدر إعلان السراج وصالح بينما تجري مشاورات ماراطونية بين تركيا وروسيا منذ هزيمة حفتر في طرابلس وترهونة وخسارته المنطقة الغربية بكاملها، ولم تصل بعد إلى موسم الحصاد، فكانت ولادة الإعلان في غير أوانه.

وخلال الأسابيع الماضية طُرحت عدة أفكار بخصوص تفعيل وقف إطلاق النار استكمالا لمشروع التهدئة ووصولا إلى حل سياسي ينهي الأزمة برمتها، أبرزها ما ورد في إعلان رئيسي نواب طبرق والمجلس الرئاسي، بجعل الجفرة وسرت منطقتين منزوعتي السلاح واتخاذ الأخيرة عاصمة مؤقتة تحت إشراف شرطي وطني، وفتح النفط وإيداع إيراداته في حساب ليبي بالخارج، لكن الفاعليْن الدولييْن الرئيسييْن روسيا وخاصة تركيا، لم يبديا حماسا كافيا لتلك المبادرة، إذ تتحفظ الأولى على وقوف أمريكا خلفها، وتحاول الثانية تحييد حفتر قبل أي مبادرات جدية ودائمة، تماهيا مع شروط حليفتها حكومة الوفاق المنتشية بانتصاراتها غير المسبوقة على حفتر منذ 2016.

موقف العسكر حاكم المنطقة الشرقية الفعلي، لم يتأخر في إعلان موقفه من المبادرة، إذ اعتبرها المتحدث باسم حفتر أحمد المسماري ذر رماد في العيون وتسويقا إعلاميا، ما يكشف الحسابات المختلفة بين حفتر وعقيلة صالح الذي لا يملك من سلطة في المنطقة الشرقية غير بروزه شكليا عندما أعلن مبادرته يوم طلب حفتر التفويض، أو زياراته لمصر ومقابلته بعض المسؤولين الدوليين وإعلانه وقف إطلاق النار الأخير، وذلك بدعم من روسيا التي لا تبدو راضية على أداء حفتر.

ومرة أخرى يبرز حفتر حجر عثرة في أي مفاهمات، حتى تلك التي قادتها روسيا حليفته القوية، فلم يوقع مبادرة موسكو – أنقرة لوقف إطلاق النار رغم تنقله إلى العاصمة الروسية، وكذلك فعل في مؤتمر برلين، كما أن إعلانه طلب التفويض لم يكن بعلم من روسيا التي أوعزت لعقيلة صالح بإفشاله، غير أنها لم تحرق ورقة حفتر خاصة مع تواصل الدعم العسكري القادم إليه عبر سوريا أسلحة ومرتزقة، وتململ موسكو من مسألة إخراج مرتزقة الفاغنر من قاعدتي الجفرة والقرضابية والمنشآت النفطية في منطقتي الهلال والجنوب.

ولا يبدو الدعم السياسي لعقيلة صالح من طرف روسيا، قطعا مع خيارها العسكري في ليبيا الذي يقوده حفتر، غير أن محاولاتها للتقريب بين القاهرة وأنقرة بحسب تصريحات تركية، قد يضعف تحالف حفتر مع مصر التي لا ترغب في مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا، كما أن الإمارات التي قوت حلفها مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد إعلانها التطبيع الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي، لا يمكنها العمل مع حفتر إلا بأوامر أمريكية.

وبهذا أصبح الملف الليبي بين أيدي أقطاب دولية ثلاثة: أمريكا وروسيا وتركيا، وأي تسويات جدية لا يمكن قراءتها إلا في ضوء تحرك هذه الأطراف الثلاثة التي لم تنقطع المفاوضات بينها حول الأزمة في ليبيا، رغم حساباتها المختلفة في ملفات أخرى ربما الملف الليبي أقلها حدة.

على الأرض مازال حفتر يملك السلطة الكاملة في المناطق التي تقع تحت سيطرته، ويمثل قوة عسكرية لا يستهان بها، من الصعب تسليمها لأي طرف سياسي أو لأي قيادة أخرى، وبالنظر إلى تهوره وتسرعه بحسب وصف فرنسي له، فإنه من المتوقع أن يخوض أي معارك جديدة على غرار مغامرة غزو طرابلس، ولو كانت غير محسوبة العواقب، وقد أصبح ثابتا لدى الجميع عدم قدرته على التعاطي السياسي مع الأزمة، والتزامه بأي اتفاقيات، وبرهن على ذلك في أكثر من مناسبة، لاسيما في ظل خروقات مليشياته الأخيرة في جبهة سرت رغم حالة الجمود العسكري المعلنة محليا ودوليا، ومحاولة استثمار المظاهرات المطلبية التي انطلقت في طرابلس، وتكرار خطاب الإنقاذ وتزعم قيادة البلاد.

وبينما أصبحت دول مثل مصر وروسيا ترجح كفة عقيلة صالح على حساب حفتر دون إلغائه من المعادلة الليبية، تسعى تركيا وحكومة الوفاق إلى إخراجه من أي مفاوضات تمهيدا لتطويع القوة التي يقودها تحت سلطة سياسية موحدة، إذ اتضح للجميع بمن فيهم داعموه أن المشهد في ليبيا لم يعد يحتمل وجود شخص متشنج وعنيف مثل حفتر، لكن مشكلة التوصيفات التي يتداولها طرفا الأزمة، تضع أنقرة على عتبة الحل دون الوصول إلى نهايته، فبينما تعتبر وجودها في ليبيا شرعيا ومعلنا وفق اتفاقية دولية مع حكومة الوفاق، في مقابل وجود عسكري من مرتزقة الفاغنر والجنجاويد والسوريين وضباط إماراتيين ومصريين، لا غطاء قانونيا لهم، يتهمها معسكر شرق ليبيا بالاحتلال، وهذا الخلاف في المقصود بالمرتزقة ظهر في إعلاني السراج وصالح رغم الاتفاق في الاسم.

ومنذ سنوات حاولت عدة دول إقليمية وأجنبية إنهاء الأزمة الليبية، لكن دون جدوى، فقد حاولت فرنسا في مؤتمر باريس وإيطاليا في مؤتمر باليرمو وألمانيا في مؤتمر برلين، وحاولت الإمارات في لقاء أبوظبي، وحاولت دول الجوار مجتمعة في إطار مبادرة الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي، وحاولت الجزائر، وأعلنت مصر مبادرة القاهرة، ولم تنجح جميعها في الوصول إلى اتفاقيات ذات تأثير فعلى على الأرض، ويبقى اتفاق الصخيرات رغم عدم اعتراف حفتر به، المبادرة السياسية الوحيدة التي تستمد كل الأجسام الليبية القائمة حاليا شرعيتها منها، وتروج أنباء عن شروع المغرب في مسعى جديد لتعديل اتفاق 2015 أو صياغة اتفاق جديد يأخذ في عين الاعتبار التطورات الجديدة واللاعبين الجدد في الملف الليبي لاسيما تركيا.

ويظل حفتر مهما كانت طبيعة المبادرات ومن يقودها، طالما تحمل أبعادا سياسية، الدابة السوداء في طريق ليبيا جديدة، تحكمها مؤسسات دستورية وقانون يحتكم الجميع إليه، لأنه بكل بساطة عسكري طموح إلى الحكم، مستبد برأيه، محب للسيطرة والقيادة، براغماتي جمع ثروة له ولأبنائه، وإن لم يجز اتهامه بالخيانة من باب تعدد وجوه الوطنية، فإن مستقبل البلاد لن يحتمل وجوده تماما كما لم يعد يحتمل العديد من الوجوه المستهلكة شرقا وغربا.

كتبه: الصحفي المنصف صولة