رأي

من صندوق الذخيرة إلى صندوق الديمقراطية .. أبوظبي تخسر حروبها في ليبيا وتونس

عندما فازت القوى الثورية بالانتخابات التشريعية في تونس العام الماضي (حركة النهضة وائتلاف الكرامة) وقوى أخرى كانت محسوبة على الثورة (التيار الديمقراطي وحركة الشعب) وانهزمت الأحزاب التي تمثل الدولة العميقة وبعد فوز قيس سعيد بالرئاسة، تهيأت كل الظروف للحديث عن ثورة جديدة بصناديق الاقتراع، وسميت بالعامية التونسية “اللطخة” بمعنى الهزيمة المدوية، وأصبحت كل الهزائم الكبيرة والانتصارات الباهرة على تيار الثورة المضادة التي تقودها دولة الإمارات من وراء الستار، تسمى بذلك الاسم.

آخر “اللطخات” التي سمع دويها في أبوظبي، موقعة جلسة سحب الثقة من رئيس البرلمان التونسي رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في يوم الوقوف بعرفة حيث تعودت القنوات العربية مواكبة أحداثه بينما توجهت قنوات الامارات هذا العام لتغطية ما روجت له بيوم سقوط آخر قلاع الإسلام السياسي في المنطقة، غير أن الحزب الذي قاد هذه المعركة ضد الغنوشي (الحزب الدستوري الحر) والذي أصبح يمثل ذراع أولاد زايد في تونس، متحالفا مع حزبين كانا محسوبين على الثورة، التيار الديمقراطي وحركة الشعب، فشلت جميعها في تحصيل 109 أصوات ضرورية لتمرير القرار، ولم تكن الـ 97 صوتا التي جمعتها كافية لذلك، فكانت “لطخة” جديدة لمحور الشر العربي، وصفعة للحرب التي تقودها الامارات ضد إرادة الشعوب العربية التواقة للحرية وبناء نظام حكم ديمقراطي في أوطانها.

الفشل في إسقاط الغنوشي من رئاسة البرلمان التونسي، ليس مجرد انتصار لشخصه أو لحزبه، بل هو موقعة أخرى لصمود إرادة الثورة ولقيمها المشتركة بين أبناء الأمة الطامحة للتغيير، ويوم عرفة المبارك في تونس كان ارتدادا ليوم سقوط قاعدة الوطية في ليبيا بيد حكومة الوفاق، لأن الغنوشي أخذ بجريرة تهنئته السراج بهذا الفوز، ومثلما قال رئيس ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف في تصريح لإحدى القنوات الليبية الخاصة في وقت سابق، فإن معاركنا واحدة في ليبيا وتونس طالما الخصم واحد والمشروع واحد.

موقع اليوم السابع المصري نشر خلال جلسة سحب الثقة من الغنوشي وعلى امتداد الجلسة أكثر من 14 خبرا هاجمت فيها الغنوشي في متابعة لحظية تعكس حجم انشغال “محور الشر” بثورة تونس وتوجسه من تقدم مسار الديمقراطية، وكذلك تتابع قنواته في الإمارات والسعودية كل كبيرة وصغيرة في ليبيا وتنسج المؤامرات وتصنع القصص الكاذبة، ورغم صراع هذا المحور المفضوح مع ما تبقى من ثورات الربيع العربي في ليبيا وتونس، إلا أنه لم يواجه المد الثوري في البلدين بصورة مباشرة وفي معركة مكشوفة تنتهي بنصره أو هزيمته وتنتهي معها حرب الاستنزاف، بل ظل يخوض حرب المخاتلة وشراء الذمم، ولم يتحل يوما بشجاعة المقاتلين.

وطالما ظلت ثورة الربيع محافظة على مسارها، فإنها ستلهم بمنجزاتها الشعوب العربية، وأولها الشعب المصري الذي سيواجه الجوع بسياسات السيسي الاقتصادية المدمرة، وشعب الإمارات والسعودية الذي ستعصف الأزمات العالمية المفاجئة على غرار أزمة كورونا الجارية بمقدراته في كل لحظة، ومن هنا تستشعر أنظمتها الخطر الداهم على عروشها المغتصبة، ولن تكف عن ملاحقة ثوراتنا وتشويهها والتحريض عليها، فالديمقراطية ليست معركة فاصلة، إنها صراع النفس الطويل، وبناء أجيال.

كتبه | الصحفي التونسي منصف فرحات

الوسوم
إغلاق