رأي

العطش يهدد مصر والسيسي يتاجر بدم الليبيين

لم يبق في ذاكرة المصريين من مواقف لرئيسهم “العظيم” عبد الفتاح السيسي غير توسلاته لرئيس الوزراء الأثيوبي بأن يقسم ألا يضر بمياه النيل، ولقنه خلال مؤتمر صحفي جملة “والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر” فرددها آبي أحمد مبتسما دون أن يعلم حتى معناها، ولم توثق في معاهدة رسمية تضمن حق مصر المهدور، واكتفى السيسي مطمئنا من المفاوضات بابتسامته البلهاء المعهودة، بل الأنكى من ذلك أنه مكن أثيوبيا من اتفاق لم تكن تحلم به، فوقع معها في 2015 اتفاقا يقر بحقها في بناء سد النهضة الذي بدأت بناءه في 2011، وتدريجيا بدأت المطالب والآمال المصرية بشأن السد تتقلص، لتتحول إلى ما يشبه الإقرار بالأمر الواقع مع السعي لإقناع أثيوبيا بتمديد فترة ملء بحيرة السد لأطول مدة ممكنة، وذلك لتقليص الأضرار المتوقعة على مصر.

وكان اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعه السيسي مع إثيوبيا والسودان ينص على ملء خزان السد على مراحل وبصورة “تعاونية”، وهي صياغة فضفاضة لم يكن ممكنا أن تلزم إثيوبيا بما تراه مصر الآن ضروريا لها بل حقا مكتسبا منذ عشرات السنين.

اليوم وبعد 5 سنوات من ذلك الاتفاق الذي فرط في اتفاقيات سابقة وقعت أعوام 1902 و1929 و1959 تعطي مصر، باعتبارها دولة المصب، ما يشبه حق الفيتو على إقامة أي سدود تؤثر على حصتها من مياه النيل، بدا السيسي عاجزا عن تغيير الأمر الواقع الذي فرضته أثيوبيا بإعلانها الأربعاء بداية ملء سد النهضة الذي أقامته على النيل الأزرق أكبر روافد النيل الأطول في العالم، وعلى بعد 15 كلم من حدودها مع السودان، فكيف كانت غضبة السيسي؟

لم يحشد السيسي جيشه على الحدود كما فعل في خلاف لا أساس له مع ليبيا، ولم يعلن أي خط أحمر ولم يهدد بتدخل عسكري، بل لم يفعل ذلك حتى من باب التلويح والاستعراض، بينما تتعرض بلاده إلى أكبر تهديد لأمنها القومي والاقتصادي على مر تاريخها الحديث، وعلى خلاف ما بشر به وزير الري الأثيوبي شعبه بقوله ” تم الآن تحقيق رغبة الشعب الإثيوبي الذي انتظر هذه اللحظة”. مؤكدا أن “عملية تعبئة السد مستمرة”، اكتفى المتحدث باسم الخارجية المصرية أن القاهرة طلبت توضيحا رسميا عاجلا من الحكومة الإثيوبية بشأن مدى صحة بدء ملء خزان سد النهضة، فيما انطلقت أبواق السيسي في هرائها المعهود بالقول إن مصر تبحث اللجوء إلى مجلس الأمن بعد إعلان إثيوبيا بدء ملء سد النهضة.

وأفادت الحكومة السودانية بأن مستويات المياه في نهر النيل الأزرق تراجعت بـ 90 مليون متر مكعب يوميا مما يوكد إغلاق بوابات سد النهضة، بينما تريد الخارجية المصرية التأكد من صحة الخبر، من أجل البدء في مسرحيات استرداد السيادة تتسولها من واشنطن التي أدارت ظهرها إليها على مدار المفاوضات السابقة ووكلت الأمر للاتحاد الإفريقي الذي لا يقيم للسيسي أي احترام منذ انقلابه العسكري وإطاحته بالرئيس الوحيد المنتخب في تاريخ مصر محمد مرسي.

وعلى مدار السنوات الخمس الماضية انشغل نظام السيسي في إدارة حرب بالوكالة عن دول الرز الخليجي الإمارات والسعودية في ليبيا، عبر وكيلها خليفة حفتر فقط من أجل فرض نسخة مصرية للنظام الدموي العسكري على الشعب الليبي، دون التفكير حتى في مصالح شعبه من تلك الخطوة، إذ المصالح النفطية في ليبيا مقسمة بين الشركات الإيطالية والفرنسية والأمريكية منذ زمن القذافي، ودول الخليج نفطية بطبعها ولن تتسمك بحصة فيها، فما الذي سيناله الشعب المصري “الغلبان” من ليبيا؟ لا شيء غير عداوة تاريخية ستزيد مصر عزلة عن جارتها الغربية الغنية، وستحرم شعبها من لقمة رزق فيها.

الكثير من المتابعين للشأن المصري ولسلوك السيسي وقراراته منذ انقلابه، يؤكدون أنه لا يعمل لمصلحة بلاده بل جيء به من أجل تدميرها، وتأخير نهضتها عقودا إلى الوراء، ولم يكن همه طوال سنوات حكمه الخالية إلا تنفيذ الأجندات الأجنبية لمصلحة إسرائيل أولا وبالمجان، ولمصلحة السعودية والإمارات ثانيا مقابل أموال صرفها في تشييد القصور الرئاسية لشعب جائع.

وأما قتاله الليبيين إلى جانب حفتر بعد هندسة عمليته العسكرية المسماة “كرامة” بأيدي مخابراته، فقد فشل السيسي في تحقيق أي مكسب منه، وأدت الحرب إلى تراجع حليفه عن كامل المنطقة الغربية، وتخلي أمريكا عنه بعد إعلانه سرت والجفرة خطا أحمر في وجه الحكومة الشرعية، وإعطائها الضوء الأخضر فيما يبدو للشريك الأقوى تركيا لتحرير المنطقتين ومنطقة الهلال النفطي، ووأد مشروع السيسي وحفتر معا وإلى الأبد.

وبالعودة إلى سد النهضة تشير التوقعات إلى أن بحيرة السد ستستوعب نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، وتريد إثيوبيا ملأها خلال فترة تمتد بين 4 و7 سنوات، فيما تريد مصر أن تمتد هذه الفترة إلى 10 سنوات على الأقل وهذا جوهر الخلاف بين البلدين، فإذا تسامحت أثيوبيا في سقف السبع سنوات، فإن العجز المائي في مصر بحسب خبراء، سيزيد بمعدل 12 مليار متر مكعب سنويا، أي نحو 22% من إجمالي موازنة مصر الإجمالية السنوية من المياه، وبالتالي فقدان نحو 3 ملايين فدان (نحو 12 ألفا و140 كيلومترا مربعا) أي نحو 30% من المساحة الزراعية لمصر، وسيؤدي ذلك إلى فقدان 9% من إجمالي القوى العاملة كحد أدنى، وارتفاع معدل البطالة إلى 20%، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام مضاعفات اقتصادية واجتماعية خطيرة.

وأما إذا تمسكت أثيوبيا بسقف الأربع سنوات لملء بحيرة السد، فإن الوضع سيكون كارثيا إذ سيخسر الشعب المصري وليس السيسي طبعا، أكثر من 50٪ من المساحة الزراعية التي يقتات منها غالبية التسعين مليون مصري، حينها لن ينفع السيسي دعمه لحفتر وسيلقيان المصير نفسه هاربين في الولايات المتحدة على الأرجح إذا لم تطلهما أيدي الثائرين.

كتبه الصحفي منصف صولة

الوسوم
إغلاق