رأي

تصريحات الرئيس التونسي.. هل هي سقطات أم منهج تفكير

مازالت زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فرنسا في 22 يونيو المنقضي، تُسيل الكثير من الحبر سواء من الجانب الليبي أو من طرف التونسيين، مواطنين وشخصيات وأحزاب، ورغم هدوء الجبهة الليبية الرافضة لتصريحاته من باريس بخصوص اعتباره حكومة الوفاق ذات شرعية مؤقتة، ودعوته القبائل لصياغة دستور للبلاد على غرار ما حدث في أفغانستان، إلا أن الجبهة التونسية تواصل تفاعلها مع تلك التصريحات، مع مواصلة الرئيس سعيد سقطاته أو ربما نهجه السياسي الذي أخفاه بالصمت في أغلب الأحيان وبالتصريحات المبهمة في أحيان أخرى  طوال فترة الانتخابات الرئاسية بدورتيها.

الرئيس التونسي وإن لم يَصدر أيَ تعقيبٍ منه على الانتقادات الليبية والتونسية لتصريحاته المستفزة في باريس، إلا أنه عمد إلى استقبال وزير خارجية اليونان في 29 يونيو الماضي، وتم التطرق إلى الوضع في ليبيا وهو في الحقيقة جوهر اللقاء، حيث بين الوزير اليوناني أن بلاده “تثمن موقف تونس الداعي إلى تسوية سياسية للأزمة الليبية وفق الإرادة الحرة لليبيين أنفسهم، وبعيدا عن التدخلات الخارجية، وأن اليونان مع مغادرة كل القوى الموجودة على الأراضي الليبية”، وبقع النظر عن بيان الرئاسة المجمَّل مقارنة بيان الخارجية اليونانية بخصوص المقابلة، وبصرف النظر أيضا عن التلميحات المبطنة لتواصل موقف سعيد من الأزمة الليبية على نفس نهج تصريحاته من باريس، فإنّ رغبته في لقاء وزير الخارجية اليوناني بعد لقاء نظيره التونسي نورالدين الري، يعد اصطفافا غير معلن وراء الموقف اليوناني من حكومة الوفاق بحسب محللين، خاصة بعد لقاء موسع للوزير اليوناني بوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في 11 يونيو بخصوص ليبيا، ثم مكالمتهما الهاتفية في الموضوع نفسه في 26 من الشهر نفسه، وبعد لقائه قيس سعيد بيوم واحد، وزير الخارجية اليوناني يتصل بالخارجية الأمريكية للتباحث حول ليبيا ولوضع واشنطن في الصورة، وبعد ذلك بيوم يصل الوزير اليوناني إلى طبرق للقاء عقيلة صالح.

الموقف اليوناني المصطف مع خليفة حفتر وحلفائه مصر والإمارات وفرنسا، ومعاداته لحكومة الوفاق وحليفتها تركيا، أمر معلن ومعروف للجميع، والإصرار على التعاطي مع هذا المعسكر، إن لم يشكل اتهاما صريحا للرئيس التونسي بالتعامل مع أعداء الثورات سواء في تونس أو في ليبيا، فإنه يبقي على الشكوك بخصوص حقيقة موقفه من حكومة الوفاق في الحد الأدنى، على قاعدة صديق عدوي هو عدوي، وهو أمر معمول به في الأعراف الديبلوماسية، ما لم يكن خطوة وساطة أو تقريبا لوجهات النظر بين المتخالفين.

وبالعودة إلى ردود الفعل الرافضة لتصريحات سعيد من باريس، أكد رئيس حزب النهضة – رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي أن حكومة الوفاق الوطني هي الحكومة الشرعية في ليبيا وهي الشرعية الوحيدة الموجودة، وكانت مكالمة هاتفية بين السراج والغنوشي هنأ خلالها الأخير رئيس المجلس الرئاسي بتحرير قاعدة الوطية، قد أشعلت طبقة المعارضين لحزب النهضة، وعقدت بسببها جلسة حوار مع الغنوشي بمجلس النواب التونسي لمساءلته بخصوص تلك المكالمة، وعلاقة المجلس الذي يرأسه بالسياسة الخارجية للبلاد، كما عبر الرئيس قيس سعيد في أكثر من مناسبة عن رفضه لقيام الغنوشي بأنشطة ديبلوماسية، وقال في أحد تصريحاته إن لتونس رئيسا واحدا خاصة بعد لقاء عقده الغنوشي في إسطنبول مع الرئيس التركي.

رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبد الكريم الهاروني، قال من جانبه إن “رئيس الجمهورية حرم تونس من فرصة التواجد في ملتقيات كبرى مثل دافوس ونطالبه بتوضيح السياسة الخارجية فالوضع لا يتحمل المواصلة بهذه الطريقة

رئيس الجمهورية ليس فوق النقد والمهم بنسبة لنا ان تكون السياسة الخارجية تتماشي مع مصلحة تونس” فيما اعتبر وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، أن “حديت الرئيس التونسي أمام الرئيس الفرنسي عن شرعية حكومة الوفاق واعتبارها مؤقتة هو قول جانبه الصواب ولم يعبر عن الموقف الرسمي للدولة التونسية ومصالحها”، مضيفا أن “تونس داعمة لحكومة الوفاق التي جاءت نتيجة توافق سياسي بين كل الأطراف الليبية في مدينة الصخيرات المغربية”، وأن إسقاط التجربة الأفغانية على الشعب الليبي أمر لا يستقيم”.

رئيس كتلة “ائتلاف الكرامة” رابع كتلة في البرلمان التونسي سيف الدين مخلوف، وصف تصريحات الرئيس التونسي أثناء زيارته لباريس بأنها “وصمة عار وكارثية فيما يخص قضية اعتذار فرنسا على حقبة الاستعمار والأزمة الليبية”، مؤكدا أن هذه التصريحات تُعبر عن موقف الرئيس الشخصية ولا تُعبر عن الدبلوماسية التونسية، وأن هناك أزمة حقيقية في الرئاسة التونسية”.

وإضافة إلى المواقف المتوقعة من المعسكر الداعم للثورة بمساندة حكومة الوفاق، فإن غالبية أصوات الفاعلين في الساحة السياسية قد استهجنوا تصريحات قيس سعيد، خاصة في ضوء الموقف الواضح من الديبلوماسية التونسية ممثلة في وزارة خارجيتها، فقد أكد وزيرها نور الدين الري في اتصال هاتفي بنظيره الليبي محمد سيالة، ارتكاز الموقف التونسي على الشرعية الدولية وقراراتها والاتفاق السياسي، بما يعني ضمنيا دعم حكومة الوفاق باعتبارها ممثلة لتلك الشرعية ومن مخرجات الاتفاق السياسي، أما وزير الخارجية الليبي فقد قال إن “الوزير التونسي أعرب له عن دعم بلاده الكامل لحكومة الوفاق الوطني”

الطبقة البراغماتية من المثقفين التونسيين غير المتحزبين، وصفوا التعاطي الحذر لبلادهم من الأزمة الليبية، بالقصور وعدم القدرة عن تقييم المصالح التونسية في البلد الشقيق تقييما استراتيجيا صحيحا، فقد فوت ذلك التعاطي المرتبك على تونس فرصة المحافظة على سوقها التقليدية التي كانت تقدر بأكثر من 4 مليارات دولار في 2010، لمصلحة تركيا التي راهنت على حكومة الوفاق وبدأت تجني ثمار ذكائها السياسي، ووصف كمال الشارني المستشار الصحفي بوزارة الطاقة والمناجم والانتقال الطاقي التونسية هذا الوضع بأنه “شيء يوجع القلب” قائلا ” لا بد لتونس من طرابلس، وطرابلس لم تطلب من تونس غير الوضوح وترك خلافاتنا البيزنطية في تونس، وعلى حد معرفتي بالأشقاء الليبيين، فإنهم لم يضيعوا وقتهم مثلنا في متاهات البحث عما إذا كانوا قوميين عربا مع الزعيم الخالد الملهم أو أمازيغ، وما إذا كانوا إسلاميين متشددين أو شعبا عاديا يحكمه نظام اجتماعي محافظ طالما لم يظهر منهم ما يهدد أمن جيرانهم. لذا، فمن حقهم الإنساني أن ينظموا حياتهم السياسية كما يرونها، وكل ما نرجوه لهم هو أن يتوصلوا إلى موعد لنزع أسلحتهم والتوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يحكمهم بعيدا عن خزعبلات النخب التونسية”، معلقا “أخشى أننا خسرنا هذه الحرب مع حفتر”.

ما هو موكد بحسب معرفتي بالمزاج الليبي، أن وشائج القربى مع الشعب التونسي أقوى وأرسخ من تقلبات المواقف السياسية في تونس، وأن الليبيين يحتفظون لتونس بمواقف زعيمهم السياسي بورقيبة من رمز القهر في بلادهم القذافي، وعلى الرغم من تنوع السوق التركية وقوتها، فإن قطاعات مثل الصحة على سبيل المثال، لا تحظى بالتقدير الذي تحظى به في تونس، لتكلفتها الباهضة من جهة ولعوائق اللغة وسوء التشخيص والاستغلال من جهة أخرى، وفرصة التدارك مازالت قائمة إذا صححت الطبقة التونسية الحاكمة بوصلتها.   

المنصف صولة | صحفي تونسي

الوسوم
إغلاق