رأي

توقعات ومآلات المشهد الليبي

معركة القرضابية أو معركة الوحدة الوطنية كما تسمى في التاريخ كانت معركة فاصلة في التاريخ الليبي، فهي التي جعلت الحاميات الإيطالية تتساقط الواحدة تلو الأخرى على يد المجاهدين الليبيين من كل أنحاء ليبيا، بعد 5 سنوات من القرضابية كان الاتفاق السياسي الذي أسس للهوية الوطنية الليبية. بعد القرضابية ازداد بطش المستعمر الإيطالي وبدأت فضائع كبيرة، ورغم محاولات تأسيس الجمهورية الطرابلسية عام 1919 بمبادرة من الدولة العثمانية والوطنيين المصريين بالتعاون مع قيادات وطنية، بل تعدى الأمر الجمهورية الطرابلسية بالحديث عن ضرورة الوحدة والتعاون بين كافة القيادات تحت قيادة أمير واحد وهو الأمير إدريس من أجل طرد المستعمر الإيطالي وذلك في يناير 1922، إلا أن مجيء الفاشية في أكتوبر عام 1922 صعَّب مشروع الدولة الليبية وجعله حلمًا تشكل في نشاطات كبيرة للمهجرين من القيادات و الآباء المؤسسين للدولة الليبية، تلك القيادات حاولت الاستفادة من التغيرات الجيوسياسية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الأولى لتغيير تحالفاتها من أجل طرد المستعمر الإيطالي وبدأ  التحالف مع بريطانيا وقوات الحلفاء.

   خلال تلك الأحداث خرجت الدولة العثمانية من شمال إفريقيا وانحسرت في الأناضول وسط معركة وطنية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك جنَّبت تركيا ويلات الاستعمار وأسست لجمهورية تركيا الحديثة؛ بينما تراجعت إيطاليا وخسرت الحرب الكونية الثانية، فإن الإدارة البريطانية عمدت لتأسيس إدارة عسكرية بإقامة نظام محليات في الشرق الليبي ورأت في الأمير إدريس السنوسي القيادة المناسبة للتفاهم مع القبائل المتناحرة في الشرق الليبي.

  أَطلال هذا التاريخ تطل على ليبيا اليوم، فالبحث عن الوحدة الوطنية تخلَّلته تغيرات جيوسياسية يشهدها العالم، هذه التغيرات جعلت شمال إفريقيا جزءاً من سياق دولي أكبر، فعلاوة على كونها مصدرًا للهجرة غير النظامية والمخاطر الأمنية من الجماعات الإرهابية، فهي بديل قد يعطي للقوى المتدخلة في ليبيا قوة استراتيجية تَحُد من القوة الأوروبية ويمنع التوغل الفرنسي والأمريكي في إفريقيا أو يُزَاحِمه على أقل تقدير حتى لا تستقل أوروبا عن سوق الطاقة الروسي، وحتى لا تصبح الولايات المتحدة الأمريكية-فالولايات المتحدة تصدر الغاز والنفط للدول الاسكندنافية- وإفريقيا بديلاً لأوروبا في الحصول على مصادر الغاز والبترول واليورانيوم.  

   هذا التاريخ كذلك يبين عودة الأتراك إلى شمال إفريقيا وتأثير حالة الانقسام بين الشرق والغرب الليبي وكيف تتحول تلك المكونات الإقليمية إلى وحدات سياسية بإمكانها توفير ضمانات لأذرع إقليمية ودولية لضمان مصالحها في أي تسوية سياسية مستقبلية. هذا الوضع الذي آلت إليه الأمور، فقوات الوفاق على مشارف سرت وسط البلد قرب قاعدة القرضابية، وقوات حفتر ومرتزقته تنتشر في الجنوب الليبي وتحاول أن تسيطر على المنشآت النفطية بينما يظل الشرق الليبي مساحة لتواجد قوات حفتر واستمرار خطوط الإمداد عبر الشرق الليبي من الحدود المصرية. ما الذي ستؤول إليه الأمور؟.

  هنا يبدو أن فهم المستقبل سيستند إلى التحولات العسكرية في منطقة سرت وكذلك التغيرات الجيواستراتيجية التي تتأثر بطبيعة التحالفات التي تحكم سلوك الدول المتدخلة في ليبيا. هنا تبدو روسيا كقوة يصعب التنبؤ بسلوكها إذ أن قدرتها على التسلل عبر تكوين شبكات محلية متعددة الأغراض يجعلها قوة فاعلة من خلال حالة اللايقين التي تخلقه لدى كافة الفاعلين المحليين والدوليين.

الديناميات المحلية

تبدو القوى الوطنية اليوم مشتتة بين الشرق والغرب الليبي فبينما تحاول القوى المنتصرة في الغرب الليبي بناء مؤسسة عسكرية عبر دمج المجموعات المسلحة وفقًا لتصورات طرحت على المجلس الرئاسي كقوة الحرس الوطني بدعم وتحفيز من الولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع غدامس الذي جمع حكومة الوفاق بقيادات عسكرية من الأفريكوم فإننا في المقابل نجد أن القوى السياسية في الشرق الليبي تحولت إلى حالة من إنكار خسارتها في الغرب الليبي وبدأت تخلق سرديات جديدة لتفسر تلك الهزيمة وتحفز المقاتلين للاستمرار في الدفاع عن شرق ليبيا ويأتي في هذا السياق حديث الرئيس المصري عن التدخل في ليبيا واستمرار تدفق السلاح والمرتزقة في المنطقة الوسطى والشرق الليبي.

   نحن هنا أمام منتصر يفكر في العاقبة، ومهزوم يريد الانتقام، وبين هذين الطيفين من المشاعر التي تلمسها في كافة التوجهات السياسية فإن إمكانية طرح أي مبادرة كتلك التي نشرتها الجارديان حول تقاسم مداخيل النفط تبدو مجرد تسوية مؤقتة في ظل غياب مشروع وطني وغياب الثقة بين الطرفين. يمكن فهم الأمر كالتالي قوى الغرب تأخذ استراتيجيا الهجوم حيث تتحفز كل القوى للنيل من الخصم بينما تقوم قوات الشرق باستراتيجيا الردع فتصور للطرف الآخر مدى قوتها وقدرتها على دحر أي تقدم قادم من الغرب.

في ظل هذه الظروف المحلية ستكون إرادة القوى الوطنية عاجزة، وقدراتها معطلة، وأفكارها مشوشة، مما يجعلها تحت طائلة المبادرات الخارجية فإما أن تقبلها بأي ثمن -لأنها تمثل تسوية سياسية لواقع خلق حالة نفسية تنتظر المستقبل ومفاجآته وهذا لا يمكن الاستمرار فيه بالنسبة للطرفين- أو أن هذه الأطراف تظل تبحث عن الحل العسكري حتى يستقر أمرها وتخرج من حالة اللايقين التي خلقتها ظروف الحرب. وهذا الأخير سيخلق حالة من الركود والحرب الباردة بين الطرفين قد تستمر لفترة زمنية طويلة. 

التوازنات العسكرية

محرك آخر في المشهد الليبي وهو بروز دور القوى العسكرية الدولية في التواجد المباشر على الأرض الليبية أو على سواحلها أو عبر نشر المنظومات الجوية التي تتزاحم فيها الطائرات المسيرة، فبينما بدأت القوى العسكرية تميل للتنظيم في الغرب الليبي بعد أكثر من سنة من المحاولات لاستعادة السيطرة الجوية للدولة الليبية والشرعية الدولية بمساعدة الحليف التركي فإن المنطقة الشرقية صارت موئلاً لكثير من القوى الروسية والمصرية والإماراتية.

  في الغرب الليبي هنالك مؤسسات الدولة والمصرف المركزي وهنالك شرعية تنظم التواجد العسكري عبر اتفاق الصخيرات أو الاتفاقات التي تجريها حكومة الوفاق كما هو ظاهر من نصوص اتفاق الصخيرات الذي يبيح للمجلس الرئاسي طلب الاستعانة بالمجتمع الدولي لتوفير الأمن للمدنيين، بينما في الشرق الليبي تظل القرارات رهن توازن القوى على الأرض ومصالح الدول المختلفة أي أن الواقعية السياسية هي الحاكمة لسلوك الأطراف المنقلبة في الشرق الليبي.

  في الشرق كذلك منظومات للدفاع الجوي قد تمنع تقدم أي قوات من الغرب، لكنها كغيرها فيما بينها الكثير من التشققات والخلافات فقد خلق خليفة حفتر شبكة من المصالح عبر تحفيز عدد من المليشيات لتهديد مؤسسات الدولة التي تخالف توجهات خليفة حفتر وقد خلق لذلك مؤسسات تحاول أن تنظم المداخيل التي تكسبها تلك المليشيات من النشاطات الاقتصادية في الشرق الليبي بعد سيطرته على القرار في المؤسسات الحكومية.

  يمكن القول إن التوازن العسكري سيعتمد على

  • شرعية القوات المقاتلة، وشرعية تحالفاتها.
  • قدراتها العسكرية وخاصة الجوية.
  • توازن القوى واتحادها ضمن مؤسسة عسكرية واحدة.
  • قدرات الحليف الذي يدعم الأطراف المختلفة.
  • الدعم اللوجيستي والمؤسسي.

هذه العناصر في مجملها تميل لصالح حكومة الوفاق لكن سيطرة قوات حفتر على النفط قد تطرح أسئلة مستقبلية حول قدرة حكومة الوفاق على الاستمرار في موقفها الحالي وهذا ما قد يجعلها تميل للبحث عن حل سياسي يعيد إنتاج النفط ويعيد لها المداخيل التي تمكنها من إدارة الدولة وتقديم الخدمات للناس. في المقابل سيكون على حفتر أن يظهر لداعميه قدرته على توفير سيولة تمكنه من الاستمرار ويعطي لداعميه الحافز للاستمرار في دعمه.

سياقات الجغرافية السياسية

وتشمل كافة التغيرات الجيواستراتيجية التي يشهدها العالم من تراجع أمريكي وصعود لقوة روسيا والصين وتأخر أوروبي وتنازع إقليمي بين دول مركزية كتركيا وإيران والسعودية. هذه التغيرات جاءت على خلفية متغيرات كبرى في الديمغرافيا ومصادر الطاقة والثورة الصناعية الرابعة ( ثورة الاتصالات). هذا جعل منطقة شمال إفريقيا منطقة مهمة استراتيجيا وهذا ما أكده وزير الخارجية الإيطالي في تقرير له حول أهمية منطقة شمال إفريقيا ففيها

  • 30٪ من تجارة الطاقة تمرّ عبر البحر المتوسط.
  • تشكّل تلك المنطقة ثلث قطاع السياحة في العالم.
  • 500 مليون من المستهلكين.
  • 44٪  من نمو الناتج المحلي في العشرين سنة الأخيرة.
  • 450  من الموانئ والمحطات

 فيها كذلك مخاطر جمة تتعلق بالهجرة والإرهاب وكذلك النفوذ الفرنسي وكون الأخيرة تستعمل مستعمرات كمخزون للفرانك الفرنسي وهذا نظام استعماري لايزال قائمًا، كما أن تنافسًا محمومًا بين الشركات الكبرى على السوق الأفريقي حيث معدل الاستهلاك يغري كافة المستثمرين للتوجه لإفريقيا.

  هذا قد يبين حجم التداخل والتنافس بين مجموع القوى الدولية الفاعلة في المشهد الليبي، وقد أضيف لهذا النزاع منطقة جيوسياسية جديدة وهي شرق المتوسط وهذا قد يؤثر في المعادلة الدولية كالتالي:

  1. منطقة شرق المتوسط قد تكون بديلاً مهما لأوروبا في مجال الغاز والطاقة.
  2. إسرائيل تحمل مشروعاً لتوريد الغاز بشكل مباشر لأوروبا.
  3. هذا المشروع صعب تقنيا ومكلف.
  4. تركيا ترى أنها ضمن شرق المتوسط بعد توقيع الاتفاقية البحرية مع ليبيا وهكذا تطرح أن يمر هذا الطريق عبر تركيا.
  5. إذا وافقت هذه الدول على تركيا كشريك استراتيجي هذا قد يضعف الدور الروسي الاستراتيجي في سوق الطاقة.
  6. حلف الناتو قد يشكل تحالفا استراتيجيا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لإبعاد تركيا عن روسيا عبر ضمها في شرق المتوسط.
  7. روسيا تسعى للتوجه لشمال إفريقيا وكسب تركيا في صفها وإفشال المخطط الرامي لإبعادها أو تقليل حصصها في السوق الأوروبي.
  8. الدول الإقليمية خاصة الإمارات والسعودية تحاول أن تدخل في هذه المعادلة عبر ليبيا وذلك لإضعاف الموقف التركي رغم أن رؤيتها مشوشة للمشهد نتيجة للتناقض بين مصالحها الوطنية وتحالفاتها التاريخية كما هو واضع في سلوك السعودي.
  9. مصر تفقد قدراتها كمركز للتحولات في المنطقة مما يجعلها قوة ضمن مجموعة قوى داخل المنطقة وستعتمد تلك القوة على قدراتها الاقتصادية والعسكرية وهذا ما يعني ضعفها الاستراتيجي.
  10. المنطقة في مجملها ستشهد تحولات كبرى وأن تحالفات اليوم هي التي ستصنع صورة المستقبل فإن بعض التوقعات ترى بأن تركيا ستكون هي القوة الإقليمية الأولى عام 2040 وهذا ممكن إذا لم تحدث تحولات كبرى في الداخل التركي واستمر الزخم الاقتصادي والاستراتيجي بالصعود، بينما نجد أن تحولات الطاقة قد تضعف السعودية وكذلك إيران خاصة بالتحول نحو الغاز المسال الذي تنتجه قطر.

كل هذه التغيرات ستعني أن التحولات الجيواستراتيجية المحيطة بليبيا ستعتمد على التحالف التركي الغربي أو التحالف التركي الروسي أو الدخول في حالة منافسة مع أوروبا تديرها الولايات المتحدة الأمريكية وهذا سيعطي فرصة لروسيا للتواجد في شمال إفريقيا وتعطيل القوى الغربية وإضعافها وهذا سيناريو ممكن لكنه مرجح.

هل سيعيد التاريخ نفسه؟

إدراك التاريخ الليبي قضية أساسية لفهم المشهد الليبي، لايمكن الحديث عن ليبيا دون تاريخها ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بل لأنه كما بين “رونالد بروس” في كتابه تاريخ ليبيا: فلسفة الاستمرارية والتغيير، فسيظل النمط الذي عرفه التاريخ الليبي في التفاعل بين الداخل والخارج أي الانقسام الإقليمي الداخلي الذي يتحرك بين الوحدة والتفرق صعودًا نحو الاتفاق وهبوطًا نحو النزاع؛ وبين التغيرات الجيوسياسية التي لاتعتبر ليبيا دولة مركزية بمعنى أن ليبيا تراد لغيرها وليست لذاتها، بدون إدراك ذلك النمط سيكون الحديثحرب كبرى في ليبيا بعيدًا إلا إذا كان هناك خلاف كبير بين القوى العظمي لن يكون سببه ليبيا إنما ملفات أخرى وفي العالم ما يكفي لحدوث ذلك.

   هذا النمط كذلك يبين أن حجم التوجهات المختلفة في ليبيا قد يجعل هذه القوى ترضى بأي تسوية يمكن أن تحقق الاستقرار في ليبيا، هذا ما حدث في قصة استقلال ليبيا، وهذا ممكن فإن مصالح الدول غير متماثلة في ليبيا واستراتيجياتها متباينة وفقًا لسياق كل دولة على حدة فليست ليبيا من قائمة الأولويات الروسية إلا ضمن رؤية الرئيس بوتين لعودة روسيا كقوة عالمية، وليس لتركيا مصالح مباشرة في السيطرة على ليبيا إنما هي محاولة لإبراز قواتها الإقليمية وضمان مصالحها في شرق المتوسط، كما أن الدول الأوروبية تسعى لضمان استقرار المنطقة ومنع الهجرة غير النظام باستثناء فرنسا التي هي غارقة في الملف الإفريقي. الولايات المتحدة الأمريكية تريد تنظيم كل ذلك عبر التنسيق بين حلفائها وقد تنجح في ذلك خاصة بعد بروز معادلة جديدة تلعب فيها تركي دور الشرطي والوسيط بين الدول الغربية وروسيا، وهذا ما يزعج الأوروبيين من تركيا.

  إذا استطاعت قوات الوفاق تحقيق المفاجأة بالسيطرة على الحقول النفطية في الهلال النفطي فإن ذلك سيجعلها قادرة على فرض شروطها في أي مفاوضات سياسية وسيضعف تمامًا قوات حفتر وداعميه، وإذا استمرت روسيا في تكوين شبكة داخل ليبيا فإن المهمة ستكون صعبة على حكومة الوفاق وسيعتمد الأمر على التوافقات التركية الروسية والتي سيعطيها حلف الناتو الفرصة وإن كانت روسيا يمكن أن تعيد المشهد السوري في ليبيا.

   ستعرض العديد من المبادرات لمنع التقدم لحكومة الوفاق وسيعتمد نجاحها على قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على توفير غطاء سياسي واقعي للدول المطلقة على شرق المتوسط مما يجعل التكلفة السياسية للسماح لتركيا بالدخول لشمال إفريقيا مقنعة لكافة القوى الغربية وإسرائيل وهو الابتعاد عن روسيا وهذا ما يمكن تلمّسه في عودة تركيا لإنتاج طائرات 32 وكذلك الحديث عن استبدال منظومة S400  بمنظومات بارتريوت. ليبيا جزء من هذا العالم واستقرارها سيعتمد على كافة تلك السياقات وما لم يع صانع القرار ذلك سيكون فعله ضعيفًا وتأثيره لايتجاوز طريق الشط في طرابلس.

كتبه | د.نزار كريكش

الوسوم
إغلاق