جمهورية الضباط

جمهورية الضباط.. من جيش الدولة إلى دولة الجيش

“قصة مصر في ربع قرن مضى.. هي قصة نجاح النظام وفشل الدولة” هكذا اختصر الاقتصادي “سامي سليمان” قصة النظام السياسي في مصر في كتابه النظام القومي والدولة الضعيفة.

هذه الحقيقة يؤكدها تاريخ الحروب والأزمات التي عاشتها مصر منذ انقلاب يوليو 1952 إلى انقلاب السيسي 30 يونيو 2013 والخلاف حول المصطلحين الثورة والانقلاب؛ لم ينته في الحادثتين لكنهما يتفقان تمامًا في خدمة النظام وإضعاف الدولة.

هذا النظام هو الذي جعل مصر كما قيل جيشا يملك دولة وليس العكس، وهذا جعل أزمات خطيرة تتهدد كيان الدولة المصرية ووجودها، أهمها أزمة المياه والسكان والاقتصاد، فأزمة المياه عرفتها منطقة حوض النيل منذ ثمانينيات القرن العشرين، كما أن زيادة عدد السكان، لم تقابل بخطط اقتصادية قادرة على إعادة هيكلة الاقتصاد المصري بما يحقق التنمية والرفاه لهذا الشعب المظلوم.

الجيش المصري سيطر على مفاصل الاقتصاد واستخدم نخبا اقتصادية لإدارة مشاريع اقتصادية كبرى لصالح جمهورية الضباط؛ التي ظهرت كما سماها الباحث “يوسف صايغ” عام 1952 عقب الإطاحة بالملكية، واستمرت في السيطرة على مفاصل الدولة خاصة بعد تثبيت حكم جمال عبد الناصر وإبعاد اللواء محمد نجيب الذي كان واجهة الانقلاب العسكري عام 1952 والذي حوصر في بيته وتخلص الضباط منه ومن مناداته بالحرية والدستور للشعب المصري بسجنه في “فيلا زينب” ولم يخرج منها إلا بعد 29 سنة.

مهَّد الضباط لذلك بعمليات إرهابية انتشرت في القاهرة ليأتي المخلص جمال عبد الناصر للحكم عام 1956 عبر استفتاء شعبي بطريقة التفويض والإخراج السينمائي التي صارت جزءًا من الحياة المصرية، فالدراما هي جزء من النظام المصري الذي ظل يثبت سلطانه عبر السيطرة على مفاصل الدولة والنظام الاشتراكي الذي وفر للضباب الأراضي الشاسعة والقوة في استخدام موارد الدولة لتثبيت سلطانه.

لذا لا نستغرب كثيرًا عندما تظل الإشكالات الحقيقية للدولة في أزمة خانقة، بينما يستمر النظام في استخدام موارد الدولة لتثبيت سلطانه؛ هذا المشهد بالضبط هو ما حدث لمصر في أغلب الحروب الخاسرة التي خاضها الجيش المصري، وهو الذي ينتظر السيسي الذي لا يمكن مقارنته بقدرات قيادة جمال عبد الناصر أو عبد الحكيم عامر أو أنور السادات أو حتى حسني مبارك؛ هذا قد يفسر لما خسرت مصر مثلاً في حرب 1967.

في النظام المصري يقوم الضباط بحماية النظام من الشعب ففي عام1967 كانت تلك الطغمة تتمتع بمزايا كبيرة، كان معدل الدخل القومي للدولة المصرية بعدد سكانها البالغ آنذاك 30 مليون نسمه هو 5.3 مليار دولار، بينما كانت دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) بعدد سكانها البالغ 2.5 مليون نسمة هو 4 مليار دولار؛ في دراسة نشرت في كتاب “مدخل للدكتاتورية” للكاتب “بروسو بيونو” من جامعة نيويورك بين أن حجم النخبة العسكرية التي تحيط بنظام عبد الناصر والمستفيدة من النظام كان عددها ألفا، وكانت وظيفتها هي التعامل مع النخب الاقتصادية وإخماد أي معارضة للنظام، كانت هذه النخبة تقوم بهذا العمل مقابل مزايا مالية خصصت لهم، وبحسبة بسيطة فإن حجم الأموال التي رصدت للحرب عام 1967 هي 30٪ من الدخل وقدرت بـ500 مليون دولار، لذا فإن هذا المبلغ وزع على هذه النخبة (500*30/1000) هو 150 ألف دولار لكل عضو في هذه النخبة.

بنفس الحساب سنجد أن دولة إسرائيل تعطي لهذه النخب فقط 60 دولارًا لذا جاء التعليق من أصحاب الدراسة كالآتي: (بينما كان على التحالف الحاكم أن يضحي فقط بــ60 دولارا من أجل بلده كان على النخب المصرية أن تضحي بـ150 ألف دولار، وهذا ما لم تفعله النخب العسكرية المصرية) وخسرت مصر الحرب. (Bruce Bueno,2013)

هذا الأمر يتكرر في حرب اليمن وبشكل مغاير، فقد بين “جيس فير” في كتابه مغامرة اليمن: كيف أدت حرب اليمن إلى حرب الستة أيام سقوط النظام المصري؛ هذه الحرب التي استمرت 5 سنوات سميت بالحرب الباردة بين المملكة السعودية وجمهورية مصر بين مناصر لنظام الأئمة وهي السعودية ومناصر للثوار من اليساريين، تلك الحرب لم تكن من أجل الدولة المصرية بل من أجل تثبيت حكم جمال عبد الناصر؟ الصراع المرير بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر كان أحد الأسباب التي دفعت عبد الناصر للتخلص من عبد الحكيم عامر عبر حرب اليمن، وقد صرح جمال عبد الناصر بذلك لأنور السادات حين قال (أنا مسؤول كرئيس لكن عامر هو من يحكم)؛ لقد قال عبد الناصر إن حربه في اليمن هي (فيتنام مصر) وهي التي جعلت العرب يخسرون أمام إسرائيل في حرب الأيام الستة.

التاريخ لا يعيد نفسه لكن لا يمكنك أن تكرر نفس الأخطاء وتنتظر نتائج مختلفة، ما يفكر به “السيسي” هو سلطانه، ما يريده “السيسي” هو الهيلمان والتخلص من أي معارضة في نظامه، ما يهتم به “السيسي” هو أن يبقى في الحكم، فأي رد فعل على المخاطر التي تواجه مصر ينظر إليها من هذا المنظور، فأزمة السد في أثيوبيا كانت ردة الفعل تجاهها عقلانية هادئة، لأنه يعرف حجم المعارضة الدولية التي قد تطيح بحكمه إذا أطلق عنترياته على القرن الإفريقي في وجود تنافس دولي بما في ذلك إسرائيل الداعمة لأثيوبيا، ولأن مخيلة الساسة العرب أن إسرائيل هي المفتاح هذا ما يجعلهم غير قادرين على رؤية العالم إلا من خلال ما يمليه العم سام.

هذا هو النظام العربي وهذا بؤسه لذا تخلفنا وظلت أزماتنا بلا ناصر ولا معين، لم يزدد دخل المواطن العربي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نسبة للدخل القومي منذ عام 1970، الناس تتكاثر والدولة لا تعير اهتمامًا كل ما هنالك صراع حول السلطة واسترضاء الآخر من أجل الاستمرار في الحكم.

المشهد الذي رأيناه، السيسي في صولجانه وسلطانه يهدد بالويل والثبور في ليبيا، وبعض الزعامات القبلية التي استقبلته في حالة من الخضوع والاستخفاف والكل يعرف أن هذا النظام المتهالك إنما يهوي رويدًا رويدًا بحثا عن طوق نجاة من الأزمات التي تحيط به؛ ولأنه لا يملك كيف يخرج من تلك الأزمات فعليه أن يصدِّر الخوف لشعبه ويطلق حربا علّها تعطي عمراً لعرشه المغصوب.

كتبه | د. نزار كريكش