مقابر ترهونة الجماعية.. تمنح حفتر لقب "هتلر ليبيا"

مقابر ترهونة الجماعية.. تمنح حفتر لقب “هتلر ليبيا”

في 30 من أبريل عام 1945 وجد “أدولف هتلر” وزوجته “إيفا براون” منتحريْن في أحد الملاجئ ورصاصة قد استقرت في صدغ الدكتاتور.

مقابر ترهونة الجماعية.. تمنح حفتر لقب "هتلر ليبيا"
لقاء السفير الألماني بحفتر

من يومها عرفت ألمانيا طريقها نحو الحرية والعدالة، ووجدت نفسها دون قيود أو أغلال؛ بإمكان الناس الآن أن يفكروا وأن يتملَّكوا حاضرَهم ومستقبلهم.

لم تعرف ألمانيا تاريخا استعماريًا كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، ربما هذا جعلها أقرب الدول الأوروبية للدول العربية فليس هنالك من آلام يمكن أن تزعج مخيال العربي حين يتذكر ألمانيا.

مقابر ترهونة الجماعية.. تمنح حفتر لقب "هتلر ليبيا"
أدولف هتلر

عندما أصبح الألماني “مارتن كوبلر” مبعوثًأ أمميا إلى ليبيا استبشر كثير من النشطاء به، وكانت أحد مناقبه أنه من ألمانيا الدولة التي عدها كثير من الليبيين دولة محايدة يمكن أن تتصرف بعقلانية تجاه الأزمة الليبية.

لكنّ تساؤلاً يطرحه المرء حين يشاهد السفير الألماني يزور الرجمة ويجلس بجوار”حفتر” في الوقت الذي تعاني فيه فرق الإنقاذ في مدينة ترهونة وجنوب طرابلس من إحصاء الجثث في المقابر الجماعية التي تركها جنود حفتر وراءهم حين فرّوا من المعارك.

عندما توجه هتلر لاحتلال فرنسا كان موقف رئيس الوزراء البريطاني آنذاك “ونستون تشرشل” واضحًا بأن ما يقوم به هتلر ليس غزوًا عسكريًا بل هو اغتيال للمستقبل و للمبادئ الحرية والعدالة.

كذلك لم يكن ماقام به حفتر نزاعًا سياسيًا يمكن أن ينتهي بوجود حلول سحرية كتلك التي اقترحت في اتفاق الصخيرات، فقد حُشدت الأفكار وتجمعت المفاهيم من أجل إيجاد الصيغ التي يتموضع فيها الفاعلون السياسيون الليبون؛ وبُسطت السلطة كرداء يمسك كل من المتنازعين طرفًا منه، علهم ينصاعون لضرورات المرحلة ومتطلبات التغيير وفرصة التحول التي تشهدها ليبيا.

كل ذلك لم يجد نفعا، لم يجد تقسيم السلطة التشريعية لغرفتين، لم يجد وضع مجلس رئاسي فيه كل الأطراف المتنازعة، لم يقتنع “حفتر” بخطة نزع سلاح المليشيات وإعادة بناء المؤسسة العسكرية وفق معايير الحكم الرشيد والورقة البيضاء التي كتبتها الأمم المتحدة؛ كل ذلك لم يكن يعني لحفتر سوى إضاعة الوقت.

ترى لو لم يقتل هتلر نفسه ووجد القوات الروسية في برلين هل كان سيدخل في حوار سياسي مع “جوزيف ستالين” أو باقي الحلفاء، هل يمكن لمن تشرب فكرة العنف السياسي أن يتحول إلى حمل وديع قادر على التعاطي مع السياسة ؟!

إن الإشكال في الاستمرار في التعاطي مع جرائم حفتر وكأنما هي قضية سياسية يمكن أن تحلّ بزيارة إلى الرجمة لإرسال رسائل التوازن وعدم الانحياز، هو أن حفتر يستخدم تلك الزيارات لحشد المزيد من الأنصار والجنود، تلك الزيارات هي الصورة المجازية التي يتحدث بها حفتر لأنصاره بأنه لايزال قادرا على العودة للمشهد إذا وجد المقاتلين الذي يدافعون عنه؛ هذه الدبلوماسية هي إغراء بالعنف وليست طريقًا لوقفه.

“إدوارد نيومان” أحد المتخصصين في مجال الحروب الأهلية في كتابه “مدخل لفهم الحروب الأهلية” ينتبه لتلك المقاربات الخاطئة التي تتخذها بعض الدول في النظر إلى النزاعات في البلدان التي لم تنعم بالحرية وبناء المؤسسات؛ وهو الاعتقاد بأنه بالإمكان إيجاد صيغ مؤسسية لحل إشكالات الاحتراب الداخلي من خلال التصور بأن جنرالات الحرب يمكنهم أن يرضوا بقوانين اللعبة الديمقراطية إذا ما صممت النظم السياسية بطريقة تسمح لهم بالتعاطي مع باقي الأطراف التي تحمل مقاربة مدنية تختلف مع القناعات السلطوية التي يملكها جنرالات الحرب مثل حفتر.

خطيئة اختيار الوقت والمكان التي قام بها السفير الألماني “أوليفر أوفتشا” في زيارته لخليفة حفتر إنما هي طوق نجاة له يستشعر بها إمكانية أن يعود إلى منطق العنف السياسي حين يجد السردية المناسبة التي يبرر بها خطاياه ليقول لأنصاره “انظروا لم نهزم تمامًا ها هو العالم يأتي لقرية الرجمة ليقرر مستقبل ليبيا عندي”؛ كل الليبيين يتذكرون كيف كان القذافي يستخدم زيارات وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك “كوندليزا رايس” ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق “توني بلير” لإعادة تسويق سلطاته الثورية كحاكم قادر على فرض إرادته للآخرين في الوقت الذي كان مستعدًا للتفريط في كل شيء من أجل البقاء في السلطة.

إن عدم فهم سياق النزاع الليبي وفق نموذج يدرك تاريخ ليبيا ونفسية الفاعل السياسي الليبي قد يعيق التاريخ الطبيعي لتحول النزاع، إن “عزلة ما” لحفتر قد تجعله يعيد حساباته ويأتي للتفاوض وقدر أدرك التكلفة السياسية للعنف بأنها لن تحقق مآربه في السلطة، أما إنه كلما هُزم وأجبرته الظروف على التفكير في العواقب زاره مسؤول من الغرب فهذا يثير التساءول عن نوايا الاستقرار من الأساس من هذه الدول المنخرطة في المشهد الليبي.

كتبه | د.نزار كريكش