"المدخلية".. ورقة القذافي التي ورثها حفتر

“المدخلية”.. ورقة القذافي التي ورثها حفتر

لم يعد خافياً على أحد الدور الكبير والمحوري الذي يشكله السلفيون “المداخلة” في تكوين مليشيات حفتر التي هاجمت العاصمة طرابلس، إلا أن وجودهم على الساحة الليبية وخصوصا في الشرق سبق هذا العدوان بكثير.

اكتسب السلفيون “المداخلة” نفوذاً كبيراً في سائر أنحاء ليبيا -خصوصا في مدن الشرق- بما في ذلك في المجموعات المسلحة والمؤسسات الدينية الرئيسية، صعودهم  هذا من شأنه أن يعقّد الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة، حيث  يشعر كثيرون – خصوصا من أنصار المجتمع المدني-  بالرعب من النفوذ الذي يحظى به المداخلة، ومن أفعالهم التي تنضح بعدم التسامح ومن أجندتهم المعادية للديمقراطية، فأيديولوجيتهم تضعهم على الطرف النقيض من الإسلاميين السياسيين، والكل  شاهد الهجمات اللفظية، وأحياناً الجسدية، للمداخلة  على جملة من الأهداف تتراوح بين العلمانيين،  وأفراد الطرق الدينية الأخرى والنشطاء من نساء وشباب، إضافة إلى استخدام المؤسسات الدينية للدولة لنشر عقيدتهم  المتشددة كاستراتيجية لفرض أعراف ثقافية ومجتمعية جديدة، غير أن التحول المفصلي للقضية المدخلية في ليبيا جاء بعد توجه  ورود فتاوى تشرعن ممارسة القتل، ليتحول المداخلة في وقت قصير إلى قوة ضاربة لها ثِقلها على الأرض.

المداخلة بذور التطرف… طاعة للحكام وتشديد مع الناس

في دراسة أعدها الباحث  في معهد كارنيغي للسلام الدولي “فريدريك ويري” عن الوضع في ليبيا بعنوان “وداعا للهدوء؟!، اعتبر أن المداخلة مؤهّلون ليصبحوا إحدى أهم القوى العسكرية في الداخل الليبي، وذلك منذ عام 2016، وهو ما تحقق بالفعل، حيث تورط عدد من رموز المداخلة في عمليات وُصفت بالإجرامية ضد الليبيين، شابهت بعض ممارستهم ممارسات تنظيم الدولة “داعش” من تصفيات خارج القانون، وقتل بالشُّبهة، إلى جانب عمليات اغتيال، وسيطرة على سجون داخلية.

ومع اتساع رقعة التسليح للمداخلة على الجغرافيا الليبية، وإنشائهم جماعات مسلحة قوية، جعل  منهم لاعبين محوريين في الأزمة الليبية، ويضيف بعداً آخر للصراع الليبي المتعدد الأبعاد أصلاً..

فمن هم المداخلة ؟

تسمية ونشأة التيار المدخلي

هو تيار سلفي متشدد ظهر في العلن في بداية تسعينيات القرن الماضي بالمملكة العربية السعودية ومنها تمدد إلى دول أخرى،  يعتمد في دعوته ومنهجه على أمرين،  الولاء المطلق للسلطة الحاكمة والطاعة الكاملة للحكام والدفاع عن مواقفهم وسياساتهم مهما كانت، والهجوم المستمر على المخالفين “مبدأ التجريح” وخاصة من التيارات الإسلامية الأخرى.


يطلق على هذا التيار عدة تسميات من بينها المداخلة، أو التيار المدخلي، أو المدخلية وكل ذلك نسبة إلى أحد أبرز شيوخهم ربيع بن هادي المدخلي  كما يطلق عليهم أيضا الجامية نسبة إلى محمد أمان الجامي (1931- 1996) الإثيوبي الأصل، وهو شيخ ربيع المدخلي.

وكان الظهور العلني لهم على مسرح الأحداث، إبان حرب الخليج 1991 ، حيث برزوا -وفقا لبعض الباحثين- كفكر مضاد للمشايخ الذين استنكروا دخول القوات الأجنبية لإخراج القوات العراقية من الكويت، وأيضا كانوا في مواجهة “هيئة كبار العلماء” بالسعودية الذين رأوا في دخول القوات الأجنبية مصلحة، لكن دون تجريم  من حرَّم دخولها، فجاء المداخلة أو الجامية  واعتزلوا كلا الطرفين،  وأنشأوا فكرا خليطا، يقوم على القول بمشروعيّة دخول القوات الأجنبية، وفي المقابل يقف موقف المعادي لمن يحرّم دخولها أو أنكر على الدولة ذلك، وهو الفكر الذي عبر عنه ربيع المدخلي بكتابه “صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين”.

في بداية ظهور هذا التيار  أثنى عليهم بعض العلماء منهم الشيخ “عبد العزيز بن باز” والشيخ “صالح الفوزان” وذلك قبل أن يروجوا لفكرهم القائم على عدة مبادئ خاطئة خاصة مبدأ التجريح للعلماء الكبار، وهذا الذي أورث جفوة بينهم وبين أقرانهم من أهل العلم، إضافة إلى غلوهم الشديد في مسألة طاعة ولي الأمر حيث ينص المدخلي في شرحه لأصول السنة على أن المتغلب تجب طاعته حقنا للدماء، فإذا تغلب آخر وجبت طاعة المتغلب الجديد.

ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﻅﻬﺮﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺣﺮﻛﺔ ﺇﺳﻼﻣﻴﺔ ﺇﺣﻴﺎﺋﻴﺔ ﻣﻌﺎﺩﻳﺔ ﻟﻼﺳﺘﻌﻤﺎﺭ، ﻓﺈﻥ جذورها كمذهب تعود إلى الوهابية التي ظهرﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ “ﻧﺠﺪ” بشبه ﺍﻟﺠﺰﻳﺮﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻓﻴﻤﺎ ﺃصبحت ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩية ﻓﻲ ﻧﺴﺨﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ، وﺗﻘﺴﻢ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺇﻟﻰ 3 ﺗﻴﺎﺭﺍﺕ ﻓﺮﻋﻴﺔ: ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ “ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ”، ﻭﻫﻲ ﺗﻴﺎﺭ ﻣﺴﺎﻟﻢ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﻳﻌﺎﺭﺽ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ؛ ﻭﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻹﺻﻼﺣﻴﺔ، ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺍﻧﺨﺮﺍﻁﺎً ﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺘﺨﺬ ﺷﻜﻼً ﺛﻮﺭﻳﺎً؛ ﻭﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺘﻨﻘﻪ تنظيمات ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﻭﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻭﺍﻟﺸﺎﻡ، وشهدت السلفية في السعودية انقساما في ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺛﻤﺎﻧﻴﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟماضي  بسبب الخلافات حول ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ للسعودية.

وصول الفكر المدخلي إلى ليبيا
ﺃﺩﺧﻠﺖ هذه ﺍﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺩﺭﺳﻮﺍ ﻓﻲ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻴﻤﻦ، ﺃﻭ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺗﻌﺮﻓﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺤﺞ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺔ ﻭﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ  بعد انتهاء حرب أفغانستان نهاية الثمانينات وبداية حرب الخليج بداية التسعينات.

استقر بهم الحال من خلال وصول القذافي إلى توافق معهم على اعتبارهم يضمنون استقرار نظام حكمه؛ كونهم يحرّمون الانتخابات والديمقراطية، ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحاكم، وبمقتضى هذا الاتفاق بقي المداخلة خلال فترة حكمه بمنأى عن الشأن السياسي، واقتصرت جهودهم على محاربة التصوّف بجميع حركاته في ليبيا والدفاع المستميت عن النظام والتعامل معه في الكثير من الأحيان في الجوانب الأمنية.

 القذافي لم يكتفِ بهذه الصفقة فقط، بل كلّف ابنه الساعدي  بمتابعة التيار السلفي ومراقبته عن كثب، وهو أمر جاء في سياق توزيعه لأذرع السلطة بين أبنائه خلال فترة حكمه، وقد أشارت دراسة بعنوان “السلفية المدخلية في ليبيا: التوجهات والحضور وسبب الاحتواء”  إلى أن الساعدي عقد علاقات قوية مع شيوخ سعوديين، كما جاء في الدراسة التي كانت لصالح جهاز المخابرات الليبي أن “التيار المدخلي عزّز من وجوده، مستغلًا التسهيلات التي تحصل عليها من قبل نظام القذافي، وتبني ابنه الساعدي له، وهو ما مكّنه من السيطرة على الكثير من المساجد منافسًا بذلك المشايخ الذين كانت تميل صبغتهم للصوفية أو المعتدلين، والذين كانت ترعاهم جمعية الدعوة الإسلامية والأوقاف بشكل مباشر، وفيما أصبح للتيار المدخلي العديد من المنتسبين تتمتع أيضًا بحضور واسع في المجتمع الليبي”.

وﻳﻌﺘﻘﺪ البعض ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺃﺟﻬﺰﺗﻪ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻟﻠﻤﺴﺎﻋﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻭﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﺍﻷﺧﺮﻯ وﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺃﻱ ﻋﻼمة ﻋﻠﻰ ﺗﺤﺪﻳﺎﺕ ﻟﻨﻈﺎﻣﻪ، وفعليًا جنى القذافي ثمار هذا الولاء بشكل واضح حين اندلعت الثورة عام 2011، فسرعان ما أصدر المداخلة فتاوى تحرم الخروج على القذافي باعتباره وليّ الأمر الشرعي، بل اعتبر المداخلة الثورة فتنة “القاعد فيها خير من القائم”، وحثوا الناس على التزام البيوت وطاعة ولي الأمر.

المداخلة بعد ثورة فبراير

 بعد نجاح الثورة وسقوط القذافي، نشط المداخلة في بداية الأمر في نشر فكرهم وهدم الزواية وقبور الصالحين أين ما وجدت قبل أن ينخرطوا  في المجالين السياسي والعسكري، فشكلوا “كتيبة التوحيد” التي انضمّت إلى مليشيات حفتر حين أعلن عن عملية الكرامة عام 2014، كما أنهم تمكنوا من السيطرة على الكثير من المنابر الدينية والمساجد، وتوسع نفوذهم العسكري.

وقد عمل المداخلة على السيطرة على الخطاب الديني الرسمي بمباركة من حفتر الذي مكن هذا التيار من السيطرة على المنابر والمساجد، وجعل لهم هيئة للفتوى، وأخذ نفوذ المداخلة الليبيين يظهر في مدن الشرق، فانتشرت مكتبات تقدم كتب المنهج المدخلي بطباعة فاخرة وأسعار رخيصة، وانتشرت المدارس السلفية حتى أحصي منها 17 مدرسة سلفية في الأراضي الليبية الكثير منها يعمل دون ترخيص.

وكعادتهم  لم يسلم منهم أي تيار إسلامي يخالف فكرهم فهاجموا الكل في الرسائل الفقهية والخطب الخاصة بهم، كما استخدم المداخلة المنابر للتحريض على المثقفين والفنانين، ومارسوا الرقابة وحرقوا الكتب تحت ذريعة أنها تُحرض على الزندقة والضلال والبدع، كما كانوا وراء حظر سفر النساء دون محرم، فقد أصدر الحاكم العسكري “عبد الرزاق الناظوري”، في فبراير 2017 قرارا بحظر سفر النساء دون محرم، إلا أنه تم التراجع عن القرار تحت وطأة عضب الشارع.

المذهب المالكي  والتوجه الصوفي الذي يسيطر على أغلبية المجتمع الليبي وضعه المداخلة  نُصب أعينهم، فأقدموا على هدم أضرحة الصوفيين والتضييق على الأنشطة الصوفية، وقاموا بنبش الأضرحة والقبور لمشايخ الصوفية واعتدوا على الزوايا الصوفية، وأبرز اعتداءاتهم هي قيام أشخاص ينتمون لهم بنبش ضريح الإمام “المهدي السنوسي”، زعيم الحركة السنوسية في ليبيا، بمساندة كتيبة “سبل السلام” السلفية التابعة لحفتر بمدينة الكفرة.

 استفاد المداخلة من مكسب الحرية الذي أتاحته الثورة استفادة قصوى لم يتح لها مثيل في عهد القذافي، حيث بدأوا في افتتاح مكتبات خاصة، ومدارس السلفية الابتدائية، والمعاهد الشرعية على الطراز المدخلي، ومراكز العلاج بالرقية، الأمر الذي مثّل حالة دينية غريبة على المشهد الديني الليبي، الذي يغلب عليه المالكية والتصوف.

وبرزت أسماء قيادين من تيار المداخلة مقربين من حفتر تورطوا في عمليات القتل والتصفيات والاختطافات، مثل “قجه الفاخري” الذي كان على رأس قواته التي نفذت مجزرة “الأبيار” التي راح ضحيتها العشرات، وهناك القيادي في القوات الخاصة “محمود الورفلي” الذي يعد من أبرز قادة تيار المداخلة في صفوف حفتر، وهو مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بعد تورطه في جرائم حرب وقتل وتصفيات؛ تفاخر بارتكابها في مقاطع فيديو نشرت على صفحات التواصل الاجتماعي.

ولي أمر سياسي أم متغلب!

 ورث حفتر ورقة المداخلة من القذافي، واستخدمها للحفاظ على سلطته في الشرق،  وقد واصل المداخلة مهمّتهم المعتادة التي جبلوا عليها في دعم سلطة من يعتبره مشايخهم وليًّا شرعيًّا، وذلك بمساندتهم  لحفتر في حربه ببنغازي عام 2014 .

ولقد استجاب المداخلة  لفتوى “ربيع المدخلي” التي تجيز لهم تقديم  الدعم الكامل لحفتر، فهم يهدفون من خلال تحالفهم معه إلى تحقيق المزيد من السيطرة في ليبيا، وفي المقابل يهدف حفتر إلى  تعزيز سيطرته واستخدامهم في قتال منافسيه، خاصة أنّه يعاني من نقص في أعداد القوات التي تحارب تحت إمرته.

انطلق حفتر نحو دمج المليشيات العسكرية للمداخلة في قواته والمتمثلة في كتيبة التوحيد، حيث تم دمج قوات المداخلة بالكامل في قوات حفتر تحت مسمى “الجيش العربي الليبي”، وهو ما  سمح لهم بتحقيق انتشار كبير، حيث سيطروا على مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة.

شهر العسل لم يدم طويلا، إذ أخذ المداخلة مؤخرًا يمارسون ضغوطًا على حفتر بعد أن ازدادت سلطتهم، ودليل ذلك قضية “محمود الورفلي”، فحين اتهمت المحكمة الجنائية الدولية الورفلي بالمشاركة في عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء؛ لم يستطيع حفتر القبض عليه كما أعلن، وذلك  بسبب تهديد المداخلة سحب دعمهم له إذا أُلقي القبض عليه، كما إن معسكر حفتر يتعرض لتهديد شديد قد يصل إلى حد التمرد، وذلك بعد اندلاع خلاف بين قادة المداخلة حول هوية ولي الأمر الشرعي، حفتر أم رئيس مجلس نواب طبرق “عقيلة صالح”، وتشهد شبكات التواصل مواجهات كلامية بين شيوخ المداخلة الليبيين، حول هويّة ولي الأمر، هل هو شاغل للمنصب السياسي، وتحديدًا عقيلة صالح، أم المتغلب بقوة السلاح وهو حفتر؟

صالح بدأ باستغلال الولاء السلفي له للضغط على حفتر، وخصوصا بعد تحركه الأخير وتقديمه مبادرة سياسية ورفضه لمطالب التفويض التي يسعى حفتر للوصول إلى السلطة عبرها؛ بعد فشل مغامرته العسكرية في طرابلس، وبحسب مراقبين فإن حفتر  مهدد بالفعل بانقلاب المداخلة ومسلحيهم عليه، فلم يتبق له سوى عدد منهم أُجبروا على مواصلة ولائهم له بسبب تورطهم في دماء ومجازر ارتكبوها، فيما يعتبر آخرون أن من تبقى مع حفتر قد يكونون أخطر عليه من معارضيه، فهم اليوم أشبه بالقنابل الموقوته التي قد تنفجر في أي وقت إذا ما اعترفوا بأن تلك المجازر ارتكبت بأوامر مباشرة منه.

نشر الخوف

المداخلة ينطلقون من تصورات دينية يعتقدون أنها هي الحق المطلق، هذا التصور عمل على منحهم ميلا مضاعفا للتنكيل بخصومهم باعتبارهم مخالفين للدين، وهو ما دفعهم للانتقام من المخالفين بصورة بشعة.

وكما لاحظ الجميع مؤخراً، تحوّل المداخلة إلى فزاعة، فتهمة واحدة من مدخلي كفيلة بأن تلصق بك تهم الفسق والخروج من الدين واتباع ملل أخرى كافرة، ومن ثم الإرسال إلى السجن أو الخطف أو القتل برصاصة في الرأس.

حاول المداخلة أن يفرضوا على المجتمع الليبي طقسا اجتماعيا معينا ومذهبا دييناً واحداً، وتعددت الوقائع على ذلك، ففي مارس 2016 قامت قوات مدخلية من كتيبة التوحيد السلفية باعتقال 3 من الشباب نظموا احتفالية يوم الأرض في المدينة، حيث اعتبرها “عبد الفتاح بن غلبون” أحد أكبر مشرعيي المداخلة في بنغازي وداعم رئيسي لحفتر؛ بأنها أحد أشكال البدع الماسونية غير الإسلامية، ووصفها بالفجور والعصيان وأنها لم تُراعِ دماء الشهداء.

كما صادر المداخلة كتبا فيها روايات لـ”نجيب محفوظ”، وأعمالا لـ”نيتشه”، و”باولو كويلو”، بزعم محاربة الغزو الثقافي، ويتحدث متابعون في بنغازي بأن المداخلة أقاموا سلطة رقابية سموها “شرطة الآداب”،  كما أنشأ المداخلة قوات لحفظ الآداب العامة، وأخرى لمكافحة الجريمة، وهو ما أتاح لهم تمددا اجتماعيا وسط الناس.

لم يرضى المداخلة حتى بالانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي حيث رصدت منظمة “بلادي” الحقوقية عشرات الشكاوى من عائلات قُتل أبناؤها وهُجّرت من بيوتها في بنغازي على يد مسلحين يتبعون كتيبة التوحيد السلفية تحديدا، بسبب انتقاداتهم للكتيبة وحفتر على مواقع التواصل.

موقع العربي الجديد نشر تقرير تحت عنوان “منشورات قاتلة” كشف عن قيام مداخلة بنغازي بمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي خاصة موقع “فيسبوك” لرصد أنشطة معارضيهم الذين يصفونهم بالخوارج، وهو ما تسبب في مقتل 10 من ناشطي المنطقة الشرقية (بنغازي والبيضاء والمرج)، بينما تم اختطاف 6 آخرين عبر منتسبي كتيبة التوحيد السلفية الموالية لحفتر، وتم إطلاق سراحهم لاحقا في عمليات تبادل بين جماعات متحاربة في بنغازي، أو عبر وساطات وضغوط قبلية.

“إن أفرادا وعائلات تعدُّ مستهدفة على الدوام، وهي تحديدا، تلك التي ينتمي أفرادها إلى جماعات ثورية أو جماعات إسلامية مسلحة وكذلك الصوفية.” وفق التقرير.

الأمر لم يعد قتلا لخلاف سياسي وإنما قتل باسم الدين لأُناس لم يعتنقوا الفكر المدخلي، حيث باتت العائلات التي ينتمي أفرادها للجماعات الثورية أو الجماعات الإسلامية أو حتى الصوفية مستهدفة على الدوام، حيث يطلق المداخلة على مخالفيهم غير المقاتلين لحفتر اسم “الخوارج القعدة”، وهم يستحقون التنكيل مثلهم مثل المقاتلين.

 أحد السجناء الذين تم إطلاق سراحهم من سجون المداخلة تحدث عن انتهاك الحرمات والحدود من قبل المداخلة في السجن، قائلاً “لم يكن هناك تعذيب في السجن، حتى أتى إليه مداخلة”.

 ليس  عليك سوى أن تخالف المداخلة حتى توصف بالخارجي أو تتهم بالبدعة، من ثم يصير عِرضك مستباحا لأي أذى،  فواحدة من تلك التهم كفيلة بأن تُبقي الإنسان في السجن بضع سنين ولا يجرؤ أحد على التعاطف معه، إن لم يتم قتله مباشرة، فهم يعملون بالحق الإلهي في الأرض وكل اعمالهم تعد مباركة بل وحتى مأجورين عليها!

المداخلة “حصان طروادة”!

 النفوذ الواقعي لهذا هذا التيار المدخلي المدعوم من السعودية بدأ حين أفتى “ربيع المدخلي” بضرورة القتال في صفوف حفتر باعتباره قائد قوات مجلس النواب “الشرعي”، كما إن زعيم المداخلة السعودي يرى أن حفتر حاكم متغلب وولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه، وهو ما يعتبر تدخلا سافراً تسبب في إشعال حرب في دولة أخرى نتج عنها  قتل وتشريد المئات.

وأثار إعلان المداخلة البدء في جمع  تبرعات لإنشاء مسجد  لتسميته ربيع بين هادي المدخلي  في منطقة الهواري في بنغازي تساؤلات حول مدى النفوذ الأمني والسياسي الذي يحظى بيه هذا التيار المدعوم سعودياً، إذ عبر البعض من مخاوفهم من ان بناء هذا المسجد يأتي للتغطية على تحركات المداخلة في إطار خطة سعودية لدعم سيطرة هذا التيار على المنابر والعسكر في ليبيا.

ويلاحظ المتابعون أن الشيخ السعودي يركز كثيراً في الشأن الليبي وهو ما يتماهى مع موقف الرياض، حيث تعمل السعودية على استخدام المداخلة في تحقيق دور فاعل لها في ليبيا أسوة باستراتيجيتها في بسط نفوذها عبر تجذر التيار السلفي الوهابي في مناطق شمال أفريقيا وغرب آسيا، حيث انتقل التمويل والتوجيه للشباب الليبي عن طريق فتاوى ربيع المدخلي.

اللافت للنظر أنه في الوقت الذي تشن فيه الرياض حملة على شيوخ التيار الديني في بلادهم من أجل تحييدهم عن المشهد السياسي والثقافي في الداخل السعودي، تواصل استغلال نفوذ هذا التيار في الخارج من أجل استخدامه كورقة للتأثير في محيطها العربي والإسلامي.

ولا يخف على أحد زيارة عديد من أبرز شيوخ هذا التيار إلى ليبيا وعلى رأسهم السعودي “أسامة العتيبي” الذي زار غالبية المدن التي يسيطر عليها حفتر بغرض زيادة التأييد والحشد في صفوف الشباب المنتمية للمليشيات  بإشراف ومتابعة من المدخلي “أشرف الميار” أحد أكبر داعمي حفتر، كما أن العتيبي مازال ينشط بالفتاوى في الداخل الليبي عبر دروسه ومحاضراته التي تُبث عبر الإنترنت.

وبالتزامن مع هذه الزيارات؛ قام مداخلة ليبيا بالعديد من الانتهاكات للسيطرة على الساحة الدينية،  مثل هدم أضرحة الصوفيين والتضييق علي الأنشطة الصوفية في الشرق  معقل الصوفية التاريخي في برقة، وسط حالة من غض الطرف من جانب البرلمان  وحفتر.

هذا التيار يرتبط بولاءات ضمنية تتصل بالسعودية، وهو ما جعل البعض يعتبر المداخلة في مليشيات “الكرامة” امتداد لفكر ديني خارجي، وسعودي بالأساس، فقد تم تشكيل منظومته الفكرية والفقهية خارج ليبيا، وتأتيه الفتاوى بصورة يومية على هيئة تسجيلات تُبث على صفحات التواصل الاجتماعي من قادة المداخلة حول العالم، مثل ربيع المدخلي و”سعيد رسلان” وغيرهم،  ومن هنا، يُمثّل التوجه الديني السعودي في صورته المدخلية حضورا كبيرا في الساحة الليبية،  فالصراع في ليبيا تغذّيه أطراف دولية بدعم مخابراتي وعسكري، من قواعد وقوات إماراتية ومصرية وفرنسية، بالإضافة إلى مليشيات روسيّة.

فقد ﺍﻧﺘﺸﺮ ﺃﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻲ ﻓﻲ ﺳﺎﺋﺮ ﺃﻧﺤﺎء ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ، ﺑﻔﻀﻞ ﺩﻋﻢ ﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﻴﺮﻳﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﻤﻮﻟﺔ ﺳﻌﻮﺩﻳﺎً ﻭﺇﺗﺎﺣﺔ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻨﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮﻧﻴﺔ، ويحث المداخلة ﻓﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ  ﻓﻲ ﺧﻄﺒﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﺭﺿﺔ ﺍﻟﻤﺴﺎﺭ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍطي، لذا يُتهم التيار المدخلي السعودي – وكذلك مداخلة مصر-   بالتسبب في إشعال القتال وعمليات التصفية عبر الفتاوي والمواعظ التي أثرت بشكل سلبي على الأزمة في ليبيا.

ﺑﺼﺮﻑ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ، ﻓﺈﻥ ﻣﻨﺘﻘﺪﻱ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ المدخلي ﻓﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ يتخوفون من ﻭﺟﻮﺩ ﺻﻼﺕ ﻣﺤﺘﻤﻠﺔ ﺑﺎﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺃﺟﻬﺰﺗﻬﺎ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ،  ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻳﺼﻒ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﺑﺄﻧﻬﻢ “ﺣﺼﺎﻥ ﻁﺮﻭﺍﺩﺓ” ﻟﻠﻨﻔﻮﺫ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻱ ﻓﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ.

اﻟﺸﻜﻮﻙ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻱ تحوم حول أن ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ  ﺗﻜﻮﻥ دائماً ﺃﻓﻀﻞ ﺗﻤﻮﻳﻼً ﻭﺗﺠﻬﻴﺰﺍً ﻣﻦ ﺍﻟفصائل المسلحة الأخرى، ولا يتوقف الأمر عند الداخل الليبي فقط، هناك ﻣﺆﺷﺮﺍﺕ تفيد بأن ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻣﺘﺨﻮﻓﺔ بدورها  ﻣﻦ قوة ونفوذ المداخلة ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﻣﻊ ﺷﺮﻕ ﻟﻴﺒﻴﺎ، والذي يمكن ﺃﻥ ﻳﺆﺛﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺍﺧﻠﺔ ﻣﺼﺮ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺮﻛﺰ ﻣﻌﻈﻤﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻜﻨﺪﺭﻳﺔ.

سابقاً كان يعاب على تنظيم “الإخوان المسلمين” بأنهم تيار له أجندة من خارج الوطن، ولا يختلف المداخلة عنهم من حيث المبدأ، والفرق أن صوت المواجهة كان عاليا في السابق عكس ما يدور الآن حيث الصمت المطبق الناتج عن الخوف والرعب.

ورغم كل ذلك تلمس بعضا من الرفض الشعبي لهذا الواقع، حيث سجلت مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة عزوف المصلين عن ارتياد المساجد في الشرق بسبب الخطاب الخشبي المتعنت، الذي يعتبره كثيرون ذو دلالات وارتباطات سياسية  لاستكمال خطة سيطرة المداخلة ونشر أفكارهم.

ماذا يريدون؟

 في الوقت الحالي ﻳﺒﺪﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﺃﻛﺜﺮ اهتماما ﺑﻌﻘﺪ ﺗﺤﺎﻟﻔﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ، ﺭﺑﻤﺎ ﻛﺮﺩ ﻓﻌﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺍﻛﺰ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺘﻌﺪﺩﺓ ﻓﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﻭﻓﻲ ﻏﻴﺎﺏ ﺃﻱ ﺳﻠﻄﺔ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، ﺭﻏﻢ ﻓﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺚ ﺃﺗﺒﺎﻋﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻮﺣﺪ ﺧﻠﻒ ﺣﻔﺘﺮ إلا أن الفصائل ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ ﺗﺘﺤﺎﻟﻒ أيضاً ﻣﻊ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺳﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻁﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﻤﻠﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ، وهو ما يعتبره البعض تماشيا مع الموقف السعودي التي ﺗﻌﺘﺮﻑ ﺭﺳﻤﻴﺎً ﺑﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻮﻓﺎﻕ ﻓﻲ طرﺍﺑﻠﺲ ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﺪﻋﻢ ﺣﻔﺘﺮ ﻋﻤﻠﻴﺎً.

عدد ﻣﻦ ﺃﺗﺒﺎﻉ هذا ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ ليبيا ﺑﻮﺻﻔﻪا ﻓﻀﺎءً ﺗﺠﺮﻳﺒﻴﺎً ﻣﺤﺘﻤﻼً ﻟﻄﻤﻮﺣﺎﺕ ﺃﻛﺒﺮ، ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻤﺤﺪﺩﺓ ﻟطموحاتهم ﺗﺒﻘﻰ ﻏﺎﻣﻀﺔ ﺟﺰﺋﻴﺎً ﻷﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻣﺒﻬﻤﻮﻥ ﻓﻲ طرﻳﻘﺔ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ، حيث يثير ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﺣﻮﻝ ﺃهدﺍﻓﻬﻢ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﺍﻟﻤﺪﻯ القلق.

ﻭﺟﻮﺩ ﻣﺜﻞ هذﺍ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻤﺘﺸﺪﺩ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺒﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﺤﺘﻴﺔ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻟﻠﺒﻼﺩ سيثير ﺗﻮﺗﺮﺍﺕ ﻣﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻭيتسبب ﻓﻲ ﺃﺣﺪﺍﺙ عنف، حيث يضاعف العداء ﺍﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻤﻠﻪ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻟﻺﺳﻼﻣﻴﻴﻦ ﺍﻟﻮﺳﻄﻴﻴﻦ من ﺍﻟﺘﻮﺗﺮﺍﺕ ﻭﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺗﺴﻮﻳﺔ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﺮﺍﻫﻦ ﺃﻣﺮﺍً ﺻﻌﺒﺎً، كما  إن ﺍﻟﻨﺰﻋﺔ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻳﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻁ ﻟﻠﺤﻜﺎﻡ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﺃﻥ ﻳﻌﺰﺯ من بروز ﺃﻱ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺃﻭ ﻓﺼﻴﻞ ﻳﺴﻌﻰ ﻟﻔﺮﺽ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻏﻴﺮ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻁﻴﺔ مع ادعاء ﺍﻣﺘﻼﻛﻪ ﻟﻠﺸﺮﻋﻴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺑﺎﻟﺘﺤﺎﻟﻒ ﻣﻌﻬﻢ.

يذهب آخرون إلى اعتبار أن ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻳُﺮﺳﻠﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻟﺰﻋﺰﻋﺔ ﺍﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺇﻓﺸﺎﻝ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، فهم اليوم باتوا ﻳﺤﻜﻤﻮﻥ ﻗﺒﻀتهم ﻋﻠﻰ المجال ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ بعد ﺳﻴﻄﺮﺗﻬﻢ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻭﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮة، فنجاحهم  ﻓﻲ ﺍﻛﺘﺴﺎﺏ ﻣﺜﻞ هذﻩ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻨﻔﻮﺫ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﻓﺘﺮﺓ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﻧﺴﺒﻴﺎً ﻳُﻈﻬﺮ ﺃﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﺸﺒﻬﻮﻥ ﺃﻱ ﺗﻴﺎﺭ ﺁﺧﺮ ظهر ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻌﺎﻡ 2011.

علاقة شخصية وليست مؤسسية!

علاقة حفتر غير الواضحة مع المجموعات السلفية قد تساعده تكتيكياً على الأرض على المدى القريب، لكن ستضر به على المدى المتوسط والبعيد، فهذه العلاقة قد تزيد من قلق القبائل أكبر حلفائه في الداخل ، فهي  تخشى التطرف، وأي تحدي لسلطة واستقلال القبيلة الذي زاد مع تراجع دور الدولة، أما على مستوى التحالفات  الخارجية، قد تضر علاقة حفتر بالسلفيين  بعلاقاته بأهم داعميه، مصر والإمارات، وكذلك علاقته بالدول الغربية، فتلك الدول تهاب أن يتحول شرق ليبيا إلى ساحة للجماعات السلفية الجهادية، مما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار ليبيا والمنطقة، خاصة دول الجوار مثل مصر التي تخشى على أمن حدودها الغربية الطويلة والهشة مع ليبيا.

الدعم المطلق لحفتر في ظل علاقته الملتبسة مع الجماعات السلفية ستكون له  له نتائج عكسية أشد خطورة خاصة على دول الجوار إذا فشل في السيطرة عليهم،  خصوصا إذا ما تم اختراقهم أو الدخول في أي خلاف معهم، وذلك راجع إلى أن ارتباط حفتر بالسلفيين قائم على علاقته الشخصية، أي أنها ليست علاقة مؤسسية، وإذا ماحدث واختفى حفتر من المشهد قد تسود الفوضى في الشرق الليبي مرة أخرى، بسبب تلك الجماعات التي قد تتحول إلى تهديد مستقبلي يهدد أمن المنطقة، خصوصا أن هذا التيار في ليبيا اعتاد القتال وحمل السلاح.

كيفية مجابهة هذا التيار؟

في البداية  يجب الإقرار بأن  ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ باتت ﺗﺸﻜﻞ ﻅﺎﻫﺮﺓ ﻣﺘﻨﺎﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ في كل المجالات والمساحات الأمنية والدينية ولا سيما الاجتماعية

ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﻭﺑﺪﺭﺟﺎﺕ ﻣﺘﻔﺎﻭﺗﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﺳﺎﺋﺮ ﺃﻧﺤﺎء ﺍﻟﺒﻼﺩ مكنهم ﻣﻦ تحقيق ﺃﺟﻨﺪﺓ  ﻣﺘﺸﺪﺩﺓ ﺗﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، في الوقت الذي  ﻳﻤﺘﺪﺣﻬﻢ ﺍﻟﺒﻌﺾ  لاعتقادهم بنزاهتم وقدرتهم على التصدي للجرائم والجماعات المتطرفة، ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻳﺒﻌﺜﻮﻥ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻣﺘﺰﺍﻳﺪ ﻓﻲ ﺁﺧﺮﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻋﺮﺿﺔ ﻻﺳﺘﻬﺪﺍﻓﻬﻢ، ﺑﻤﻦ ﻓﻴﻬﻢ ﻧﺸﻄﺎء ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ، ﻭﺍﻟﺼﻮﻓﻴﻴﻦ، ﻭﺍﻷﻗﻠﻴﺔ ﺍﻷﻣﺎﺯﻳﻐﻴﺔ والتيارات الإسلامية الأخرى.

ﺇﻥ هذﺍ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻳﺜﻴﺮ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﺑﺪﺃﺕ ﺃﺻﻼً ﺑﺎﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺣﺴﺐ، ﺑﻞ حتى ﻋﺴﻜﺮﻳﺎً، رغم أن هناك من يدفع بضرورة أن يتم ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺻﻌﻮﺩ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻲ ﺑﻌﻘﻼﻧﻴﺔ، ﺧﺼﻮﺻﺎً ﻭﺃﻧﻪ ﻳﺤﻈﻰ ﺑﺎﻟﻨﻔﻮﺫ ﻟﺪﻯ بعض الجهات الأﻣﻨﻴﺔ  ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺟﺢ ﺃﻥ ﻳﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻓﻲ ﺃﻱ ﺣﻞ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻟﻠﺼﺮﺍﻉ.

وحتى تحل الكثير من القضايا العالقة ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻣﻊ ﺍﻟﻄﻴﻒ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻼﻋﺒﻴﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ ﻭﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻤﺘﻌﻮﻥ ﺑﺎﻟﻨﻔﻮﺫ، هو ﺟﻌﻠﻬﻢ ﻳﻠﺘﺰﻣﻮﻥ بالأعراف السلوكية  في ليبيا، ﻭﻫﺬﺍ ﺳﻴﺘﻄﻠﺐ ﺇﻗﻨﺎﻋﻬﻢ ﺑﻀﺒﻂ ﺃﺟﻨﺪﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ والإيديولوجية بما يتماشى مع المجتمع المحلي، وهو معيار لا يتماشى مع فكر وأيديولوجية التيار المدخلي بكل تأكيد.

يجب على ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺎﺣﺘﺮﺍﻡ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻭﻣﻨﻈﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺣﻴﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، إضافة إلى أهمية تحرك السلطة في ليبيا  لحث السعودية على تقييد سلطاتها الدينية والأشخاص المقيمين على أراضيها ومنعهم من التحريض أو المشاركة في العنف في ليبيا.

وفي غضون ذلك ينبغي على اللاعبين السياسيين أن يسعوا إلى بناء جهاز أمني احترافي معزول عن أي نفوذ أيديولوجي من أي نوع كان، فهي تعد خطوة البداية الرئيسية للوصول إلى حل للصراع في البلاد.

 الخاتمة

فجأة.. وفي ساعات قليلة، سقطت مدينة سرت تحت سيطرة مليشيات حفتر، تفاصيل سقوطها كان في انشقاق كتيبة سلفية مدخلية عن حكومة الوفاق عقب أعوام من التحالف معها.

الانقلاب وتحول الولاءات ليس غريبا على المداخلة، فقد تكرر الحال ذاته لأعوام عدة وفي مناسبات مختلفة، وبحسب رؤى متابعين فإن التيار المدخلي سينقسم بعضه على بعض بعد فترة من الزمان كما هي عادتهم إذ أن منهجهم لا يسمح بالاستمرار والتماسك مدة طويلة.

ويشير استقراء وتحليل السلوك السياسي  لهذا التيار في السنوات القليلة الماضية عن تنبؤات باحتمالية تبدل ولاءات عدد من الكتائب المدخلية في أي لحظة، وما حدث في سرت يثبت هذه  التقلبات السريعة التي تجعل من التيار المدخلي أحد أكبر التهديدات التي تواجه تأسيس الدولة المدنية في ليبيا.

 إن استخدام الجماعات السلفية في الصراع السياسي والعسكري يعد سلاحا ذو حدين يحمل الكثير من المخاطر، خصوصا في مجتمع  يسيطر عليه الخط الديني المالكي الصوفي، هذا التداخل سيشكل اضطرابات مجتمعية وعقائدية أكثر مع تغلغل السلفية  في البلاد بنسختها الوهابية.

 كما إن احتمالية حدوث اختراق أكبر من جانب السلفية الجهادية -خاصة داعش والقاعدة- لهذه المجموعات السلفية، أمر يسير في بلد ممزق ومجتمع مسلح لا يوجد به حضور حقيقي للدولة، فمثل هذا التوظيف قد يؤدي لظهور جماعات مسلحة أكثر تطرفاً، وهو ما تخشاه دول الجوار.

هذه بعض المأسي والأزمات إضافة إلى الدماء التي تسبب فيها المداخلة في ليبيا، فلا أحد يدري على وجه الدقة ما الذي ستشهده البلاد في الأيام القادمة في ظل وجود هذا التيار، الذي تحول إلى نموذج عابر للقارات والبلدان، بعد أن أصبحوا بما مثلوه في ليبيا – واليمن أيضاً-  حالة يمكن استغلالها ودعمها في بلدان أخرى لها ظروف مشابهة.

تقرير | عماد المدولي